حكم المحكمة العليا، رقم 8 لسنة 5 قضائية «دستورية»، جلسة 6 مارس 1976
- المحكمة
- المحكمة العليا
- النوع
- حكم
- نوع الدعوى
- دستورية
- الرقم
- رقم 8 لسنة 5 قضائية
- تاريخ الجلسة
- 6 مارس 1976
المصدر: sccourt.gov.eg (مصدر رسمي)
الموضوع
صدور قانون محكمة الثورة فى إطار التفويض التشريعى المخول لرئيس الجمهورية بإصدار قرارات بقوانين لها قوة القانون .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :
أولاً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائياً بنظرها.
ثانياً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء مصلحة المدعى فى رفعها.
ثالثاً:- بقبول الدعوى شكلاً وفى الموضوع برفضها وأمرت بمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة .
نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة فى يوم السبت 6 من مارس سنة 1976- الموافق 5 من ربيع الاول سنة 1396 هـ .
المؤلفة برياسة السيد المستشار/ محمد عبدالوهاب خليل نائب رئيس المحكمة
وحضور السادة المستشارين:- عادل عزيز زخارى وعمر حافظ شريف نائبي رئيس المحكمة ومحمد بهجت عتيبة وأبو بكر محمد عطية وطه أحمد أبو الخير ومحمد فهمى حسن عشرى أعضاء
وحضور السيد المستشار/محمد كمال محفوظ المفوض
وحضور السيد/ سيد عبد البارى إبراهيم أمين السر
أصدرت الحكم الآتي
في القضية المقيدة بجدول المحكمة العليا برقم 8 لسنة 5 قضائية عليا "دستورية ".
المقامة من
محمد لبيب شقير
ضد
1 -السيد / رئيس الجمهورية
2 - السيد / المدعى العام الاشتراكي
3 - السيد / رئيس محكمة الثورة
4 - السيد / رئيس الوزراء
" الوقائع "
تتحصل الوقائع، على ما يبين من الأوراق، فى أنه نسب إلى المدعى أنه خلال أشهر فبراير ومارس وإبريل ومايو سنة 1971 بدائرة محافظتى القاهرة والجيزة والمحافظات الأخرى الموضحة بالتحقيقات اشترك مع آخرين بوصفهم من الوزراء العاملين بالدولة بطريق التحريض والاتفاق والمساعدة فى ارتكاب جناية الخيانة العظمى . وبموجب قرار رئيس الجمهورية رقم 2110 لسنة 1971 أحيلت الدعوى إلى محكمة الثورة المشكلة بقرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 الذى صدر بناء على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة وذلك لمعاقبته طبقاً للمواد (5، 6، 7) من القانون رقم 79 لسنة 1958 فى شأن محاكمة الوزراء والمواد (40، 41، 48، 1/87، 1/96، 99، 112، 118) من قانون العقوبات. وقد أقام المدعى الدعوى رقم 1764 لسنة 25 القضائية أمام محكمة القضاء الإدارى ضد المدعى عليهم بعريضة أودعت قلم كتاب المحكمة المذكورة فى 22 من سبتمبر سنة 1971 طالباً: أولاً: الحكم بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية رقم 1929لسنة 1971 بتشكيل محكمة الثورة وقرار المدعى العام الاشتراكى بإحالة المدعى إلى محكمة الثورة متهما بتهمة الخيانة العظمى وما يترتب على ذلك من آثار ثانياً: بعد تحضير الدعوى الحكم بإلغاء القرارين المطعون فيهما واعتبار كل منهما كأن لم يكن وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام المطعون ضدهم المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة ، وكان من بين الأسانيد التى استند إليها المدعى فى دعواه عدم دستورية قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة الذى صدر بناء على قانون التفويض آنف الذكر مستهدفاً بذلك التوصل إلى بطلان قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 بتشكيل محكمة الثورة وقرار المدعى العام الاشتراكى بإحالته إلى محكمة الثورة متهماً بتهمة الخيانة العظمى المطعون فيهما الصادرين إستناداً إلى قانون التفويض والقرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 المشار إليهما.
ودفع المدعى عليهم الدعوى بعدم اختصاص القضاء الإدارى بنظرها إستناداً إلى أن قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 المطعون فيه لا يعتبر من قبيل القرارات الإدارية التى تدخل فى ولاية قضاء الإلغاء إذ هو عمل تشريعى ينظم جهة من جهات القضاء هى محكمة الثورة ولا يتصل ما يتناوله هذا القرار بنشاط الإدارة . وفى 21 من أغسطس سنة 1973 قرر المدعى بتنازله عن الطلب المستعجل. وفى 29 من يناير سنة 1974 قضت محكمة القضاء الإدارى (دائرة منازعات الأفراد والهيئات) فى الدعوى المذكورة :
أولاً:- بإثبات ترك المدعى الخصومة فى الطلب المستعجل وألزمته مصروفاته.
ثانياً:- برفض الدفع بعدم اختصاص مجلس الدولة بهيئة قضاء إدارى بنظر الدعوى وباختصاصه.
ثالثاً:- بوقف الفصل فى الدعوى حتى تفصل المحكمة العليا فى الدفع المثار من المدعى بعدم دستورية القانونين رقمى 15 و48 لسنة 1967 وحددت له ميعاد ثلاثة أشهر لرفع الدعوى بذلك أمام المحكمة العليا، وأقامت المحكمة قضاءها برفض الدفع بعدم الاختصاص على أن قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 المطعون فيه صادر من السلطة التنفيذية فى ممارستها للاختصاصات المخولة لها بمقتضى القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 وهو بهذه المثابة يكون قراراً إدارياً تختص محاكم مجلس الدولة بالفصل فى طلب إلغائه وفقاً لأحكام قانون مجلس الدولة . وقد أقام المدعى هذه الدعوى ضد المدعى عليهم بعريضة أودعت قلم كتاب المحكمة العليا فى 17 من إبريل سنة 1974 طلب فيها الحكم بقبول الدعوى شكلاً وفى الموضوع بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 مع ما يترتب على ذلك من آثار وبإلزام المدعى عليهم بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة وذلك للأسباب التى تضمنتها عريضة الدعوى ، كما قدم المدعى مذكرة شارحة ضمنها أسانيد دفاعه، وقدمت إدارة قضايا الحكومة نائبة عن المدعى عليهم مذكرة طلبت فيها الحكم برفض الدعوى مع إلزام المدعى المصاريف ومقابل أتعاب المحاماة ، وعقب المدعى على دفاع المدعى عليهم بمذكرة صمم فيها على طلباته الواردة فى صحيفة الدعوى ، وقدمت هيئة مفوضى الدولة تقريراً بالرأى القانونى مسبباً إنتهت فيه إلى أنها ترى الحكم بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائياً بنظر المنازعة الموضوعية ومصادرة الكفالة وإلزام المدعى المصروفات.
وفى 26 من فبراير سنة 1975 أودعت هيئة مفوضى الدولة تقريراً ثانياً بالرأى القانونى مسبباً إنتهت فيه إلى أنها ترى الحكم: أولاً: بقبول الدعوى شكلاً. ثانياً: بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة فى شقها المتعلق بالطعن على قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 فيما تضمنه من تفويض عام وبقبول الدعوى فيما عدا ذلك وبرفضها موضوعاً. ثالثاً: مصادرة الكفالة وإلزام المدعى المصروفات. وبجلسة أول مارس سنة 1975 قدمت إدارة قضايا الحكومة نيابة عن المدعى عليهم مذكرة أحالت فيها إلى دفاعها السابق ودفعت بعدم قبول الدعوى لانتفاء مصلحة المدعى فيها وطلبت الحكم: أصلياً: بعدم قبول الدعوى ، واحتياطياً: برفض الدعوى وإلزام المدعى فى الحالتين المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة ومصادرة الكفالة . وعقب المدعى على تقريرى هيئة مفوضى الدولة ودفاع إدارة قضايا الحكومة بمذكرة قدمت بجلسة 6 من ديسمبر سنة 1975 صمم فيها على طلباته الواردة فى عريضة الدعوى كما عقبت إدارة قضايا الحكومة على مذكرة المدعى بمذكرة صممت فيها على طلباتها.
وقد نُظرت الدعوى بجلسة 4 من يناير سنة 1975 ثم تداولت بالجلسات على الوجه المبين بمحاضر هذه الجلسات، وبجلسة 6 من ديسمبر سنة 1975 قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة 7 من فبراير سنة 1976 وفيها تقرر مد أجل إصدار الحكم إلى جلسة اليوم، وفيها صدر الحكم الآتى :
" المحكمة "
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة .
ومن حيث إن الدعوى قد استوفت الأوضاع الشكلية المقررة قانوناً.
أولاً:- عن الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائياً بنظرها:
من حيث أن مبنى هذا الدفع -الذى أبدته هيئة مفوضى الدولة فى تقريرها الأول- أنه لما كانت الدعوى الدستورية ترفع بطريق الدفع الفرعى وتنبثق عن دفع فرعى بعدم الدستورية يثار أمام محكمة الموضوع، لذلك فإنه يتعين لقبول الدعوى الدستورية أمام المحكمة العليا أن تكون المحكمة التى أثير أمامها الدفع وقدرت جديته ورخصت بإقامة الدعوى الدستورية مختصة بنظر النزاع فإذا انتفى ذلك تخلف شرط من شروط قبول الدعوى الدستورية ، ولما كان موضوع الدعوى التى أقامها المدعى أمام محكمة القضاء الإدارى إلغاء قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971 بتشكيل محكمة الثورة وقرار المدعى العام الاشتراكى بإحالة المدعى إلى محكمة الثورة متهماً بتهمة الخيانة العظمى ، والقرار الأول يتعلق بتسيير مرفق القضاء ويعتبر بهذه المثابة عملاً قضائياً، كما يعتبر القرار الثانى قراراً قضائياً ومن ثم يخرج الطعن فى كلا القرارين عن اختصاص القضاء الإدارى ، لذلك فإن الدعوى الدستورية المقامة من المدعى تكون قد اتصلت بالمحكمة العليا بالمخالفة للأوضاع المقررة قانوناً وتكون غير مقبولة .
ومن حيث إن المدعى رد على هذا الدفع بأن مقتضى الأخذ به تخويل المحكمة العليا ولاية على الدعوى الموضوعية ولا سند لهذه الولاية سواء فى قانون المحكمة العليا الصادر بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 81 لسنة 1969 أو فى قانون الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 66 لسنة 1970 وأنه أياً كان وجه الرأى فيما أثارته هيئة مفوضى الدولة من اشتراط تحقق اختصاص محكمة الموضوع بنظر الدعوى التى أثير فيها الدفع الدستورى لقبول الدعوى الدستورية أمام المحكمة العليا، فإن ولاية الفصل فى دعوى الموضوع معقودة لمحكمة القضاء الإدارى ، وقد جاء قضاء هذه المحكمة برفض الدفع بعدم اختصاصها بنظر الطعن فى قرار رئيس الجمهورية رقم 1929 لسنة 1971، باعتباره قراراً إدارياً، متفقاً مع أحكام القانون، كما أصابت فى قرارها بإرجاء الفصل فى هذا الدفع بالنسبة لقرار المدعى العام الاشتراكى لحين الفصل فى دستورية قرار رئيس الجمهورية رقم 48 لسنة 1967 تأسيساً على أن تكييف القرار آنف الذكر، وتبين مدى اختصاص المحكمة بالفصل فى الطعن فيه، يتوقف على الفصل فى دستورية القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 المذكور ومن ثم يكون الدفع غير قائم على أساس سليم.
ومن حيث إن هذا الدفع مردود، ذلك أن قضاء هذه المحكمة جرى بأن المحكمة العليا ليست جهة طعن بالنسبة إلى محكمة الموضوع وإنما هى جهة ذات اختصاص أصيل حدده قانون إنشائها، ولئن كانت الدعوى الدستورية لا ترفع إلا بطريق الدفع الذى يثار أمام محكمة الموضوع، إلا أنها متى رفعت إلى المحكمة العليا فإنها تستقل عن دعوى الموضوع لأنها تعالج موضوعاً مغايراً لموضوع الدعوى الأصلية الذى يتصل به الدفع بعدم الاختصاص، ومن ثم تكون محكمة الموضوع -دون المحكمة العليا- صاحبة الولاية فى الفصل فيه ولا يعرض أمر الاختصاص على هذه المحكمة إلا حيث يكون هناك تنازع على الاختصاص بين جهات القضاء ويطلب إليها تعيين الجهة المختصة بنظر النزاع تطبيقاً للفقرة الرابعة من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا، ومن ثم يكون هذا الدفع غير قائم على أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.
ثانيا:- عن الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة :
من حيث أن مبنى هذا الدفع، الذى أثاره المدعى عليهم، أن مصلحة المدعى فى الدعوى الدستورية غير متوافرة ، ذلك أنه يستهدف بدعواه إزالة الآثار التى ترتبت على إحالته إلى المحاكمة أمام محكمة الثورة . ولما كان قد حكم عليه بجلسة 9 من ديسمبر سنة 1971 بالحبس مع الشغل لمدة سنة مع وقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، وقد ان قضت مدة وقف التنفيذ دون أن يصدر خلالها حكم بإلغائه، فقد أصبح بذلك الحكم الصادر ضده كأن لم يكن عملاً بنص المادة (59) من قانون العقوبات، ويكون هذا الحكم قد سقط بكل آثاره الجنائية ويعتبر سقوطه بمثابة رد اعتبار قانونى للمدعى ويكون قد تحقق له ما يستهدفه من الطعن بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 وقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967، وهو التوصل إلى إلغاء محاكمته أمام محكمة الثورة وإحالته إلى المحكمة التى يقول بأنها المختصة بالفصل فيما نسب إليه إذ أن هذه المحاكمة التى يستهدفها إما أن تسفر عن براءته وهو ما يتساوى مع ما تحقق للمدعى من رد اعتبار قانونى ، وإما أن تسفر هذه المحاكمة عن إدانته مما يجعله فى وضع أسوأ من وضعه الحالى وفى الحالتين تنتفى مصلحته فى الدعوى .
ومن حيث إن المدعى رد على هذا الدفع بأن محو الآثار القانونية للحكم الصادر عليه لا ينفى أن محكمة الثورة قد أدانته فى الجريمة المسندة إليه، وأنه يستهدف بدعواه محو أثر هذه الإدانة ليظل إسمه مبرءاً من جريمة أدين فيها، فضلاً عن أن له ثمة مصلحة فى أن يحاكم أمام محكمة مشكلة طبقاً لأحكام الدستور وهو ما يتحقق إذا ما قضى بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 والقرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون بعدم دستوريتهما، ولما كان الضرر الأدبى يكفى لتوافر شرط المصلحة فى الدعوى فإن مصلحته فى الدعوى الدستورية تكون قائمة .
ومن حيث إن هذا الدفع مردود، ذلك أن الثابت من الحكم الصادر من محكمة الثورة فى قضية الجناية رقم 1 لسنة 1971 المدعى العام الاشتراكى المرفقة بالدعوى أن المدعى أحيل إلى محكمة الثورة متهماً بالاشتراك مع آخرين بوصفهم من الوزراء العاملين بالدولة فى ارتكاب جناية الخيانة العظمى ، وقضت المحكمة المذكورة فى 9 من ديسمبر سنة 1971 بإدانته ومعاقبته بالحبس مع الشغل لمدة سنة وأمرت بوقف تنفيذ العقوبة لمدة ثلاث سنوات، ولما كان انقضاء مدة وقف تنفيذ العقوبة دون أن يصدر خلالها حكم بإلغائه وإن كان يترتب عليه اعتبار الحكم كأن لم يكن عملاً بنص المادة (59) من قانون العقوبات وسقوطه بكافة آثاره الجنائية وهو ما يعد بمثابة رد اعتبار قانونى للمحكوم عليه، إلا أن للمدعى مصلحة أدبية فى أن تعاد محاكمته لإثبات براءته من الجريمة التى نسب إليه ارتكابها وإزالة الشوائب والظلال التى علقت باسمه بسبب إتهامه وهو ما يستهدفه من رفع الدعوى الدستورية توصلاً إلى إعادة محاكمته أمام محكمة مختصة وفقاً لتصويره، ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء المصلحة غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.
ثالثاً:- عن الموضوع:
1- بالنسبة للقانون رقم 15لسنة 1967.
من حيث أن المدعى يطلب الحكم بعدم دستورية القانون رقم 15 لسنة 1967 إستناداً إلى الأسباب الآتية :
أولاً:- مخالفة القانون لنص المادة (120) من دستور سنة 1964 التى توجب أن يكون التفويض لمدة محددة وأن تعين الموضوعات التى يرد عليها والأسس التى يقوم عليها، وهى شروط يجب أن يتوافر كل منها بذاته مستقلاً عن الشروط الأخرى وقال المدعى بياناً لهذه المخالفة :
1- إن القانون المطعون فيه قد خلا من تحديد مدة زمنية لسريان التفويض إذ أن المعنى الحقيقى لشرط المدة المحددة التى تنص عليها المادة (120) من دستور سنة 1964 الذى صدر فى ظله القانون المطعون فيه أن يكون التفويض لمدة معينة ومحددة بالوحدات التى يقاس بها الزمن وإلا فقد التفويض طبيعته الاستثنائية المؤقتة بوصفه تفويضاً وتحول إلى تنازل من السلطة التشريعية عن وظيفتها التشريعية .
2- إن القانون المطعون فيه لم يحدد الموضوعات التى يرد عليها التفويض تحديداً دقيقاً وإنما جاء عاماً وغير محدد على نحو يعتبر نزولاً من السلطة التشريعية عن سلطتها.
3- إن القانون المذكور قد خلا من تعيين الأسس التى يتعين أن تلتزم بها السلطة التنفيذية فيما تصدره من تشريعات.
ثانياً:- إن القانون المطعون فيه وقد تضمن تفويضاً تشريعياً غير مستوف لشرائط التفويض التى نص عليها الدستور فإنه يتعارض مع مبدأ سيادة القانون إذ يعنى هذا المبدأ ضمن ما يعنيه خضوع الإدارة للقانون، وينتفى هذا الخضوع إذا فوضت السلطة التنفيذية فى ممارسة سلطة التشريع على نحو مطلق دون قيد ومن ثم فإن قانون التفويض وقد تضمن تفويضاً مطلقاً إلى السلطة التنفيذية فى ممارسة وظيفة التشريع فإنه يكون قد خالف نص المادتين (64، 65) من الدستور القائم الواردتين فى الباب الرابع منه الخاص بسيادة القانون والذى تسرى أحكامه على التشريعات الصادرة قبل العمل به بأثر مباشر.
ومن حيث إن الحكومة دفعت الدعوى قائلة إن قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 قد استوفى مقوماته الدستورية والتزم القيود والضوابط المنصوص عليها فى المادة (120) من دستور سنة 1964 الذى صدر فى ظله، إذ اقتضت إصداره ظروف استثنائية قامت عند ما لاحت نذر العدوان الإسرائيلى على البلاد وتهديد أمنها وسلامتها، وصدر التفويض الذى تضمنه القانون لمدة محدودة فقد نص القانون على سريان التفويض "خلال الظروف الاستثنائية القائمة " وهو ما يحمل تحديداً زمنياً للتفويض، إذ لا يشترط أن يكون هذا التحديد بوحدات قياس الزمن المعروفة كالسنة والشهر، كما وردت موضوعات التفويض فى ذلك القانون محددة بالغاية التى صدر لتحقيقها فحصرها فى تلك التى تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربى والاقتصاد الوطنى ، وأما الأسس التى يقوم عليها التفويض فإنها مرتبطة بالموضوعات التى تم فيها التفويض والهدف منه وهى أن تكون ضرورية لمواجهة الظروف الاستثنائية وبقدر هذه الضرورة .
واستطردت الحكومة قائلة إن مصلحة المدعى فى الدعوى تتحدد فيما إذا كان إنشاء محكمة الثورة بقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 يدخل فى نطاق الموضوعات التى حددها قانون التفويض، وإن إنشاء محكمة الثورة بالقرار بقانون المذكور وتخويلها سلطة الفصل فى الجرائم التى تمس سلامة الدولة داخلياً وخارجياً يتعلق بأمن الدولة وسلامتها التى ورد بشأنها التفويض محدداً على نحو لا يثير أى جدل.
ومن حيث إن الأصل، تطبيقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، الذى قننته الدساتير فى مصر على نحو يكفل التوازن والتعاون بينها، أن تختص السلطة التشريعية بوظيفة التشريع وأن تمارسها بنفسها على مقتضى القواعد الدستورية وفقاً لما تنص عليه المادة (47) من دستور سنة 1964 التى تقابل المادة (86) من الدستور القائم، فلا تتخلى عنها للسلطة التنفيذية ، إلا أنه نظراً لما تقتضيه الظروف الاستثنائية التى قد تحل بالبلاد من ضرورة مواجهتها فى سرعة وحسم بتشريعات عاجلة فقد أجازت الدساتير الصادرة فى سنة 1956 وسنة 1964 وسنة 1971 تفويض السلطة التنفيذية (رئيس الجمهورية ) فى إصدار قرارات لها قوة القانون، وقد حرص الشارع إذ أباح هذا التفويض على أن يضع له من الضوابط والقيود ما يكفل جعل زمام التشريع فى يد السلطة التشريعية المختصة وذلك بتقييده من حيث الظروف التى تبرره وأمد سريانه والموضوعات التى يرد عليها والأسس التى تقوم عليها، وقد يشترط الشارع الدستورى توافر أغلبية خاصة لإقرار قانون التفويض وضرورة عرض هذه القرارات بقوانين على السلطة التشريعية فى أول جلسة بعد انتهاء مدة التفويض فإذا لم تعرض أو عرضت ولم توافق عليها السلطة التشريعية زال ما كان لها من قوة القانون، وهو ما تنص عليه المادة (108) من الدستور القائم، وذلك كله حتى لا يؤدى التفويض إلى نزول السلطة التشريعية عن اختصاصها، وبذلك يوفق الشارع الدستورى بين مقتضيات نظام الفصل بين السلطات وكفالة قيام السلطات بوظائفها الدستورية وبين الاعتبارات العملية الملحة التى تقتضى تفويض رئيس الجمهورية فى ممارسة وظيفة التشريع على سبيل الاستثناء لمواجهة تلك الظروف الاستثنائية ، وقد نص دستور سنة 1964 الذى صدر فى ظله القانون رقم 15 لسنة 1967 المطعون فيه فى المادة (120) منه على أن " لرئيس الجمهورية فى الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التى يقوم عليها". ويستفاد من هذا النص أنه يشترط لسلامة التفويض وصحته أن تطرأ ظروف استثنائية تبرره وأن يكون محدود المدة معين الموضوعات التى يجرى فيها والأسس التى يقوم عليها، وكلها قيود على السلطة التنفيذية حتى لا تمارس ذلك الاختصاص الاستثنائى بإصدار قرارات لها قوة القانون إلا أن تقوم مبرراته ودواعيه على أن يكون ذلك فى الحدود ووفقاً للضوابط التى تضعها السلطة التشريعية صاحبة الاختصاص الأصيل فى ممارسة وظيفة التشريع.
ومن حيث إن القانون رقم 15 لسنة 1967 المتقدم ذكره قد صدر بناء على اقتراح بقانون تقدم به فى 29 من مايو سنة 1967 بعض أعضاء مجلس الأمة بتفويض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات لها قوة القانون طبقاً للمادة (120) من الدستور إستناداً إلى أن الظروف الاستثنائية التى تمر بها البلاد تقتضى أن يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع بالسرعة والحسم حماية لأمن الدولة وسلامتها ودعماً للمجهود الحربى والاقتصاد الوطنى ، وطلب مقدمو الاقتراح إقراراه على وجه الاستعجال واعتبار ما ورد فى طلبها تبريراً لإصدار مذكرة إيضاحية للاقتراح بقانون وقد نص هذا الاقتراح فى المادة الأولى منه على أن " يفوض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات لها قوة القانون خلال الظروف الاستثنائية القائمة فى جميع الموضوعات التى تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربى والاقتصاد الوطنى وبصفة عامة فى كل ما يراه ضرورياً لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية " وعند نظر هذا الاقتراح بقانون فى مجلس الأمة بجلسة 29 من مايو سنة 1967 (مضبطة الجلسة التاسعة والعشرون) طلب أحد الأعضاء أن توضح " الظروف الاستثنائية " التى وردت فى الاقتراح دون تحديد وأشار إلى أن المادة (120) من الدستور توجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن تعين موضوع القرارات وطلب أن يكون ذلك محل البحث - وقد رد رئيس مجلس الأمة على ذلك قائلاً " إن المادة الأولى من الاقتراح بقانون تضمنت تحديد مدة التفويض حيث حددت المدة بأنها " خلال الظروف الاستثنائية " كما عينت الموضوعات بأنها تلك التى تتصل بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربى والاقتصاد الوطنى وبصفة عامة فى كل ما يراه ضرورياً لمواجهة هذه الظروف الاستثنائية " واستطرد رئيس المجلس قائلاً " إن تحديد وقت معين أو مدة محددة لمباشرة هذه الصلاحيات أمر صعب غاية الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلاً لأن المعركة متأرجحة تتغير بين يوم وآخر وليس واضحاً ما إذا كانت هذه الظروف تنتهى فى بحر ستة أشهر مثلاً أو ثلاثة أو فى شهر واحد أو فى أسبوعين أو أسبوع ومن ثم فليس ممكناً تحديدها بوقت معين ويكفى أن تحدد بأنها الظروف الاستثنائية القائمة إلى جانب أن مجال إعمال التفويض محدد تماماً فى الاقتراح " وقد وافق مجلس الأمة بالإجماع على الاقتراح بقانون بالصيغة التى قدم بها وصدر به القانون رقم 15 لسنة 1967.
ومن حيث إنه بالنسبة إلى شرائط صحة التفويض طبقاً للمادة (120) من دستور سنة 1964 فإنه يبين على ما تقدم أنها ثلاثة : أولها: أن يصدر التفويض لمواجهة ظروف استثنائية وثانيها: أن يكون محدد المدة وثالثها: أن يعين الموضوعات التى تصدر بشأنها القرارات بقوانين والأسس التى تقوم عليها.
ومن حيث إنه عن الشرط الأول فإنه يبين من نصوص القانون رقم 15لسنة 1967 وأعماله التحضيرية التى تقدم ذكرها أنه صدر فى ظروف كانت تنذر باندلاع الحرب بين مصر وإسرائيل مما يعرض أمن البلاد وسلامتها لأخطار جدية ، وقد نشبت الحرب فعلاً فى الخامس من شهر يونيه سنة 1967 بعد نحو أسبوع من تاريخ صدور ذلك القانون، ولا جدال فى أن هذه ظروف إستثنائية يقتضى أمن الدولة وسلامتها مواجهتها فى سرعة وحسم ومن ثم تبرر تفويض رئيس الجمهورية فى ممارسة سلطة التشريع إستثناء تحقيقاً لهذا الهدف.
ومن حيث إنه عن الشرط الثانى الخاص بتحديد مدة التفويض وهو القيد الزمنى الذى يحول دون إطلاقه فإن الشارع قدر أن تحديد هذه المدة بوحدات قياس الزمن العادية كالسنة والشهر أمر بالغ الصعوبة بل يكاد يكون مستحيلاً لأن المعركة بين مصر وإسرائيل متأرجحة تتغير من يوم لآخر وليس واضحاً ما إذا كانت الظروف الاستثنائية تنتهى فى أمد محدد ولهذا اتخذ معياراً آخر لتحديد مدة التفويض فربطه بالظروف الاستثنائية التى اقتضت إصداره، وهى ظروف موقوتة بطبيعتها بحيث يبقى ما بقيت هذه الظروف وتنتهى بانتهائها وبهذا يتوافر شرط تحديد المدة .
ومن حيث إنه عن الشرط الثالث المتعلق بتعيين الموضوعات التى يرد عليها التفويض فإن المادة الأولى من القانون رقم 15 لسنة 1967 قد حددت فى شطرها الأول موضوعات معينة هى تلك التى تتعلق بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربى والاقتصاد الوطنى ، ولئن كان هذا التحديد قد اتسم بشئ من السعة فإن ذلك قد أملته حالة الحرب وهى الظرف الاستثنائى الذى اقتضى إصدار قانون التفويض لمواجهة هذه الحالة بأداة التشريع العاجل حماية لأمن البلاد وسلامتها ودفعاً للأخطار عنها ودعماً لقواتها العسكرية فى معركتها مع العدو – أما ما تضمنته العبارة الأخيرة من المادة المذكورة من تفويض رئيس الجمهورية فى " إصدار قرارات لها قوة القانون بصفة عامة فى كل ما يراه ضرورياً لمواجهة الظروف الاستثنائية ". فإنه لا ينفى عن الشطر الأول من النص إستيفاءه لشرط تعيين الموضوعات التى يرد عليها التفويض وذلك بالنسبة إلى الموضوعات المحددة فيه على الوجه السابق بيانه.
ومن حيث إنه بالنسبة للأسس التى تقوم عليها الموضوعات التى فوض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات بشأنها، فإنها تستفاد من العبارة الأخيرة من نص المادة الأولى من القانون رقم 15لسنة 1967 المتقدم ذكرها فضلاً عن المذكرة الإيضاحية والأعمال التحضيرية لهذا القانون، فقد أرسى القانون أساساً عاماً يقيد السلطة التنفيذية فيما تصدره من قرارات بقوانين بمقتضى التفويض، وهو أن تكون هذه القرارات ضرورية لمواجهة الظروف الاستثنائية التى حلت بالبلاد بالسرعة والحسم الواجبين وأن تكون ممارسة رئيس الجمهورية لهذا الاختصاص الاستثنائى بالقدر الضرورى لمواجهة هذه الظروف.
ومن حيث إنه بالنسبة للسبب الثانى من أسباب الطعن وحاصله أن القانون المطعون فيه وقد فوض السلطة التنفيذية تفويضاً مطلقاً فى سلطة التشريع فإن هذا التفويض يتضمن تنازل السلطة التشريعية عن وظيفة التشريع إلى السلطة التنفيذية ويتيح لها عدم الخضوع للقانون بما يتعارض مع مبدأ سيادة القانون ونص المادتين (64، 65) من الدستور القائم، وتنص أولاهما على أن سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة وتقضى الثانية بأن تخضع الدولة للقانون، فإن مردود بأن الدستور وقد حدد الوظائف المنوطة بسلطات الدولة ووضع الضوابط والقيود لأدائها بما يكفل التوازن والتعاون بينها، فإن ممارسة هذه السلطات للوظائف التى ناطها بها الدستور وفق الضوابط وفى الحدود التى رسمها لا تتعارض بداهة من الناحية الدستورية مع الأحكام الأخرى التى ينص عليها الدستور، لذلك فإن التفويض التشريعى الذى تضمنه القانون رقم 15 لسنة 1967 وقد صدر وفقاً للضوابط والقيود التى تنص عليها المادة (120) من دستور سنة 1964 الذى صدر فى ظله ومتفقاً مع حكمها على ما تقدم لا يترتب على صدوره وممارسته وفقاً للضوابط والقيود التى صدر على مقتضاها إعفاء السلطة التنفيذية أو تحللها من الخضوع للقانون، ومن ثم فلا يتعارض هذا القانون مع مبدأ سيادة القانون ولا يخالف نص المادتين (64، 65) من الدستور القائم.
ومن حيث إنه يخلص مما تقدم أن القانون رقم 15 لسنة 1967 بتفويض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات لها قوة القانون لا يخالف الدستور فيما تضمنه من تفويض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات لها قوة القانون فى الموضوعات التى تتعلق بأمن الدولة وسلامتها وتعبئة كل إمكانياتها البشرية والمادية ودعم المجهود الحربى والاقتصاد الوطنى ومن ثم يكون طعن المدعى بعدم دستورية هذا القانون غير قائم على أساس سليم متعيناً رفضه.
1- بالنسبة لقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48لسنة 1967:
من حيث إن المدعى يقيم دعواه بالنسبة لعدم دستورية قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 على الأسباب الآتية :
أولاً:- أن هذا القرار بقانون مشوب بعيب عدم الدستورية لصدوره إستناداً إلى قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 المخالف للدستور.
ثانياً:- مخالفة القرار بقانون لما تقضى به المادة (153) من دستور سنة 1964 من أن القانون يرتب جهات القضاء ويعين اختصاصاتها والتى تقابلها المادة (167) من الدستور القائم ومقتضى هذا النص أنه لا يجوز ترتيب جهات القضاء أو تعيين اختصاصاتها إلا بقانون يصدر من السلطة التشريعية وهذا ما قضت به المحكمة العليا فى الدعوى رقم 4 لسنة 1 القضائية وأيده مجلس الدولة فى فرنسا فى فتوى له صدرت فى 6 من فبراير سنة 1954، وقد خالف القرار بقانون المطعون فيه المادة (153) المشار إليها بنصه فى المادة الأولى منه على أن " تشكل محكمة خاصة تسمى محكمة الثورة " وتختص هذه المحكمة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المنصوص عليها فى الكتاب الثانى من قانون العقوبات أو فى قانون الأحكام العسكرية ..." مرتباً بذلك جهة من جهات القضاء بغير الأداة التى نص عليها الدستور، ومخولاً رئيس الجمهورية بقرار منه تعديل اختصاص الجهات القضائية القائمة بأن ينزع منها اختصاصها فى الفصل فى الجرائم المشار إليها المقرر لها بموجب القانون وبنقل هذا الاختصاص إلى محكمة الثورة على خلاف حكم الدستور، كما خالف القرار بقانون المذكور المادة (153) من الدستور آنفة الذكر بنصه فى المادة الرابعة منه على أن يمثل سلطة التحقيق والإدعاء بالنسبة للدعاوى التى تنظرها محكمة الثورة الجهة أو الشخص الذى يحدده قرار التشكيل مخولاً رئيس الجمهورية بقرار يصدره تعديل اختصاص النيابة العامة وهى جزء من السلطة القضائية أضفى عليها القانون الولاية القضائية بالنسبة إلى التحقيق الابتدائى وإسناده إلى جهة أخرى ، كما خالف القرار بقانون المطعون فيه نص المادة (153) المشار إليها بنصه فى المادة السابعة منه على أن أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها بأى وجه من الوجوه، معدلاً بذلك الاختصاص المقرر بمقتضى القانون لمحكمة النقض بنظر الطعن بالنقض فى الأحكام الصادرة فى الجنايات بصفة عامة وذلك بإلغاء اختصاص محكمة النقض فى هذا الخصوص بالنسبة للأحكام التى تصدرها محكمة الثورة .
ثالثاً:- أن القرار بقانون المطعون فيه يقضى بتجريم أفعال لم ينص أى قانون على تجريمها " إذ تخول المادة الأولى منه رئيس الجمهورية أن يحيل إلى محكمة الثورة الأفعال التى تعتبر ضد المبادئ التى قامت عليها الثورة " منشئاً بذلك نوعاً من الجرائم لم يرد النص على عقوبة لها فى أى قانون، ودون تحديد لكنه هذه الأفعال، والأركان الواجب توافرها لتكوين الجرائم التى تنبثق عن هذه الأفعال، والعقوبات المقررة لهذه الجرائم وذلك بالمخالفة لما تنص عليه المادة (25) من دستور سنة 1964 (ويقابلها نص المادة (66) من الدستور القائم) التى تقضى بأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على القانون.
رابعاً:- أن القرار بقانون المطعون فيه قد خالف ما تقضى به بعض مواد الدستور وما يستخلص من روح ومقتضى بعض مواده الأخرى من أن تنظيم إجراءات التحقيق المقيدة للحرية لا يكون إلا بقانون صادر من السلطة التشريعية ، إذ ينص دستور سنة 1964 فى المادة (27) منه على أنه " لا يجوز القبض على أحد أو حبسه إلا وفق أحكام القانون" كما تنص المادة (33) منه على أن " للمنازل حرمة فلا يجوز دخولها إلا فى الأحوال المبينة فى القانون وبالكيفية المنصوص عليها فيه". ومقتضى هاتين المادتين أن التشريع الصادر من السلطة التشريعية هو وحده الذى يحدد الأحكام التى تلتزم بها سلطة الاتهام والتحقيق بالنسبة لإجراءات التحقيق المتصلة بالقبض على الأفراد وحبسهم وتفتيش منازلهم سواء تعلق الأمر فى ذلك بالتحقيق الابتدائى الذى تجريه سلطة الاتهام والتحقيق أو بالتحقيق النهائى الذى تجريه المحكمة التى يقدم إليها المتهم، وتنطبق القاعدة نفسها على إجراءات التحقيق الجنائى الأخرى المقيدة للحرية غير القبض والحبس والتفتيش على ما هو مستفاد من مقتضى نص المادة (25) من دستور سنة 1964 آنفة الذكر، وقد خالف القرار بقانون أحكام الدستور المتقدم ذكرها إذ أن ما تقضى به المادة الثالثة منه من عدم تقيد محكمة الثورة فيما تباشره من إجراءات التحقيق والمحاكمة إلا بما يرد فى قرار تشكيلها يتضمن إعفاء محكمة الثورة من الإلتزام بالأحكام التى وضعتها القوانين والمتعلقة بإجراءات التحقيق والمحاكمة ، ولأن ما ينص عليه القرار بقانون فى الفقرة الثانية من المادة الرابعة من أن يكون لسلطة التحقيق والإدعاء كافة الاختصاصات المقررة للنيابة العامة والنيابة العسكرية وما يتقرر لها من اختصاصات فى أمر تشكيل المحكمة يتيح لرئيس الجمهورية تخويل سلطة التحقيق والإدعاء أمام محكمة الثورة اختصاصات تجاوز الاختصاصات المقررة للنيابة العامة مما قد يترتب عليه المساس بالضمانات التى يقررها قانون الإجراءات الجنائية وغيره من القوانين لصالح المتهمين رغم أن كل ذلك مما يندرج فى عداد تنظيم إجراءات التحقيق والمحاكمة التى لا يجوز تنظيمها طبقاً لأحكام الدستور إلا بقانون.
خامساً:- أن ما تنص عليه المادة الخامسة من القرار بقانون المطعون فيه من أنه "لايجوز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها" يتعارض مع مقتضى نص المادة (152) من دستور سنة 1964 -المادة (166) من الدستور القائم- التى تقرر مبدأ إستقلال القضاء المقرر لصالح القضاة والمتقاضين على السواء، إذ أن من وسائل حماية هذا الضمان أن يكون للمتقاضين مكنة رد القاضى ، كما يتعارض منع حق الرد مع حق الدفاع الذى كفله نص المادة (28) من دستور سنة 1964 -المادة (69) من الدستور القائم- ويتعارض هذا المنع أيضاً مع مبدأ المساواة بين المواطنين فى حق الدفاع باعتباره من الحقوق العامة ، وهو المبدأ الذى تنص عليه المادة (24) من دستور سنة 1964 والمادة (40) من الدستور القائم، ذلك أن من يحاكمون عن الجرائم نفسها أمام المحاكم الأخرى غير محكمة الثورة لهم حق طلب رد قضاتهم إذا قامت مبررات هذا الطلب، فى حين أن هذا الحق قد منع بالنسبة لمن يحاكمون أمام محكمة الثورة .
ومن حيث إن الحكومة دفعت الدعوى بأوجه الدفاع الآتية :
أولاً:- أن القانون رقم 15 لسنة 1967 صدر متفقاً مع أحكام الدستور ومن ثم فإن صدور قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48لسنة 1967 إستناداً إلى قانون التفويض المذكور لا يخالف الدستور.
ثانياً:- إن القرار بقانون الصادر من رئيس الجمهورية بناء على قانون بتفويضه فى التشريع مستوفياً للشروط التى نص عليها الدستور تكون له قوة القانون، لذلك فإن الأمور التى احتجزها الدستور بنص صريح ليكون تنظيمها بقانون يجوز لرئيس الجمهورية بمقتضى تفويض يصدر من السلطة التشريعية أن ينظمها بقرار بقانون يصدر منه، لذلك يكون ما تضمنه قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 من نصوص تقضى بإنشاء محكمة الثورة وتعيين اختصاصاتها، وبتحديد الجهة التى تمثل سلطة التحقيق والإدعاء فى الدعاوى التى تنظرها المحكمة ونهائية الأحكام التى تصدرها، وبعدم الطعن فيها بأى وجه من الوجوه لا يخالف نص المادة (153) من دستور سنة 1964.
ثالثا:- إن القرار بقانون المطعون فيه بنصه فى المادة الأولى منه على اختصاص محكمة الثورة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المبينة بها " وكذلك الأفعال التى تعتبر ضد المبادئ التى قامت عليها الثورة " لا يعنى تجريم ما لم يجرمه القانون ولا ينص على عقوبة لم ينص عليها القانون وإنما يتضمن الإحالة إلى نصوص قانونية متفرقة أشار إليها النص بعبارة جامعة ، وعلى ذلك فإن محكمة الثورة تخضع كغيرها من المحاكم لأحكام القانون والدستور فلا تملك تأثيم فعل لم يؤثمه القانون أو القضاء بعقوبة لا ينص عليها القانون أو بغير العقوبة المقررة قانوناً.
رابعاً:- أن القول بأن تنظيم إجراءات التحقيق المقيدة للقضية لا يكون إلا بقانون صادر من السلطة التشريعية على ما هو مستفاد من نص المادتين (27، 33) من دستور سنة 1964 المشار إليهما، وأن القرار بقانون المطعون فيه وقد اشتمل على نصوص فى شأن إجراءات التحقيق فإنه يكون قد خالف الدستور ويتعارض مع ما ينص عليه قانون الإجراءات الجنائية بالنسبة لاختصاصات النيابة العامة مردود بأن القرار بقانون الصادر من رئيس الجمهورية بمقتضى قانون التفويض له قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية وأن التعارض بين القوانين لا يدخل فى مجال الرقابة الدستورية .
خامساً:- أن ما تنص عليه المادة الخامسة من القرار بقانون المطعون فيه من عدم جواز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها، لا يخالف الدستور، ذلك أن حق المتقاضين فى رد القضاة ليس مقرراً بنص دستورى وإنما بتشريع عادى وقد يحرم هذا التشريع رد القضاة فى بعض الأحوال، وتحريم الرد لا يتعارض مع ضمانات المحاكمة العادلة ، وقد تم تشكيل محكمة الثورة التى حاكمت المدعى على أعلى مستوى وحرص أعضاؤها على أن يقسموا اليمين على كتاب الله قبل أن يجلسوا على منصة القضاء، وأن عدم جواز الرد لا يتعارض مع مبدأ المساواة ولا يعنى الإخلال بحق الدفاع.
عن السبب الأول:
من حيث أن هذا السبب من أسباب الطعن وحاصله أن القرار بقانون المطعون فيه مشوب بعدم الدستورية لصدوره بناء على قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 المخالف للدستور، مردود بأن قانون التفويض المذكور قد صدر متفقاً مع أحكام الدستور على ما تقدم، ولما كان قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة ينظم موضوعاً من الموضوعات التى تتصل بأمن الدولة والتى تدخل فى الموضوعات التى عينها قانون التفويض ويرد عليها التفويض، على نحو ما سلف بيانه لدى مناقشة دستورية القانون المذكور، لذلك فإن النعى على قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 لصدوره بناء على قانون غير دستورى لا يقوم على أساس سليم.
عن السبب الثانى :
ومن حيث إن هذا السبب يقوم على أن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون فيه قد خالف نص المادة (153) من دستور سنة 1964 (التى تقابلها المادة (167) من الدستور القائم) التى تقضى بأن يكون ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصاتها بقانون، وذلك فيما رتبه هذا القرار بقانون من جهة قضاء هى "محكمة الثورة " وفيما يخوله لرئيس الجمهورية من أن يعدل بقرار منه اختصاص الجهات القضائية القائمة بما يحيله إلى محكمة الثورة من الجرائم التى تختص بها تلك الجهات، وفيما تضمنه من تعديل اختصاص النيابة العامة وهى جزء من السلطة القضائية ، وفيما نص عليه من أن تكون أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها مما ترتب عليه إلغاء الاختصاص المقرر لمحكمة النقض بنظر الطعن فى الأحكام التى تصدرها محكمة الثورة فى الجنايات.
ومن حيث إن دستور سنة 1964 الذى صدر القرار بقانون المطعون فيه فى ظله إذ نص فى المادة (120) منه آنفة الذكر على أن " لرئيس الجمهورية فى الأحوال الاستثنائية بناء على تفويض من مجلس الأمة أن يصدر قرارات لها قوة القانون ويجب أن يكون التفويض لمدة محدودة وأن يعين موضوعات هذه القرارات والأسس التى تقوم عليها" فإن مؤدى ذلك: أن المشرع الدستورى أجاز للسلطة التشريعية تفويض رئيس الجمهورية فى إصدار قرارات لها قوة القانون بالشروط الواردة بهذا النص، وأنه بصدور هذا التفويض مستوفياً شرائطه ينتقل الاختصاص التشريعى لمجلس الأمة إلى رئيس الجمهورية فى الموضوعات التى فوض فيها ويكون له حق ممارسة صلاحيات هذا المجلس فى خصوص ما فوض فيه، ومن ثم تكون القرارات بقوانين التى يصدرها رئيس الجمهورية بناء على هذا التفويض لها قوة القانون وتتناول كل ما يتناوله التشريع الصادر من السلطة التشريعية بما فى ذلك الموضوعات التى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون.
ومن حيث إن استناد المدعى إلى قضاء المحكمة العليا فى الدعوى رقم 4 لسنة 1 القضائية دستورية لا يسانده فى التدليل على حظر التفويض التشريعى فى الموضوعات التى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، فقد قضت المحكمة بحكمها الصادر فى الدعوى المذكورة بعدم دستورية المادة (60) من لائحة نظام العاملين بالقطاع العام الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بقرار رئيس الجمهورية رقم 802لسنة 1967 فيما تضمنته من تعديل قواعد اختصاص جهات القضاء إستناداً إلى أن هذا التعديل الذى تم بموجب قرار جمهورى لا يجوز إجراؤه بغير القانون طبقاً للمادة (153) من الدستور، لأن الأمور التى احتجزها الدستور بنص صريح ليكون التشريع فيها بقانون صادر من السلطة التشريعية لا يجوز تنظيمها أو تعديل أحكامها أو إلغاؤها بأداة تشريعية أدنى وإلا كانت مخالفة للدستور، والحظر المستفاد من هذا الحكم، كما هو واضح من سياقه، إنما يرد على الأداة التشريعية الأدنى مرتبة من القانون وكانت فى خصوص الدعوى المذكورة المادة (60) من قرار رئيس الجمهورية رقم 3309 لسنة 1966 المعدل بقرار رئيس الجمهورية رقم 802 لسنة 1967 وهو قرار جمهورى عادى فى مرتبة أدنى من القانون لم يصدر إستناداً إلى المادة (119) ولا إلى المادة (120) من دستور سنة 1964 الذى صدر فى ظله حتى يكون له قوة القانون، وهذا الحظر الذى قرره الحكم لا يمتد بداهة إلى قرارات رئيس الجمهورية التى لها قوة القانون طبقاً لأحكام الدستور والتى لها أن تتناول بالتنظيم الموضوعات التى تدخل فى حدود التفويض ولو كانت من الموضوعات التى احتجزها الدستور للقانون فى حدود الضوابط التى يصدر على أساسها التفويض.
ومن حيث إن استناد المدعى إلى الفتوى الصادرة من مجلس الدولة الفرنسى فى 6 من فبراير سنة 1953 لتأييد دفاعه القائم على عدم دستورية التفويض التشريعى فى المسائل التى احتجزها الدستور للقانون إستناداً فى غير موضعه، ذلك أنه يبين من تقصى الملابسات التى صدرت فيها هذه الفتوى أنها تتعلق بتفسير المادة (13) من دستور فرنسا الصادر فى سنة 1946 والتى تنص على أن تصوت الجمعية الوطنية وحدها على القانون وأنها لا تملك أن تفوض فى هذا الحق، ومؤدى هذه الفتوى أنه لا يجوز للبرلمان أن يعهد للحكومة فى قانون التفويض بالتشريع فى مسائل محجوزة له بموجب الدستور أو بمقتضى العرف الدستورى ، وإنما يجوز التفويض فى الموضوعات التى حجزها البرلمان لنفسه وتدخل فى تنظيمها فأصبحت محجوزة له طبقاً للقانون، وقد كشفت هذه الفتوى حكم المادة (13) من دستور 1946 التى كان نصها صريحاً فى حظر التفويض التشريعى فى الموضوعات المحجوزة للبرلمان، وواضح من ذلك أن الفتوى المذكورة صدرت فى ظل نظام دستورى لم يكن يجيز التفويض فى التشريع بحظر صريح تضمنته المادة (13) آنفة الذكر، وهو وضع يختلف عن الوضع فى النظام الدستورى المصرى الذى صدر فى ظله قانون التفويض رقم 15 لسنة 1967 حيث أباح دستور سنة 1964 فى المادة (170) منه التفويض التشريعى ومن ثم يكون الاستدلال بهذه الفتوى فى غير موضعه، وقد فقدت هذه الفتوى سندها الدستورى بعد إلغاء الدستور الصادر فى سنة 1946 فى فرنسا وحلول الدستور الصادر سنة 1958 محله، فقد أجازت المادة (38) منه تفويض الحكومة فى إصدار قرارات لها قوة القانون خلال مدة معينة على أن يتم التفويض بقانون . والتفويض المقصود بنص المادة المشار إليها هو الذى ينصب على الموضوعات المحتجزة للقانون بموجب الدستور، إذ أن الموضوعات غير المحتجزة فى الدستور للقانون أصبحت طبقاً للمادة (37) من هذا الدستور ذات صفة لائحية وأصبح تنظيمها يتم بقرارات لائحية دون حاجة إلى تفويض فى ذلك يصدر من السلطة التشريعية .
ومن حيث إنه متى كان لقرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 المطعون فيه – والذى صدر بناء على قانون التفويض- قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية على ما تقدم، فإن لهذا القرار بقانون أن يتناول بالتنظيم الموضوعات التى عينها قانون التفويض الذى صدر بالاستناد إليه ولو كانت من الموضوعات التى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، ويدخل فى ذلك ترتيب جهات القضاء وتعيين اختصاصها، ومن ثم فإن ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه من إنشاء محكمة الثورة وتعيين اختصاص لها لا يخالف المادة (153) من الدستور آنفة الذكر.
ومن حيث إنه لا وجه لما يثيره المدعى من أن ما تنص عليه المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه من تخويل رئيس الجمهورية سلطة إحالة الجرائم المنصوص عليها فيها إلى محكمة الثورة مقتضاه تعديل اختصاص جهات القضاء الأخرى ، ذلك أن الشطر الأول من المادة المذكورة ينص على أن " تختص المحكمة بالفصل فيما يحيله إليها رئيس الجمهورية من الدعاوى المتعلقة بارتكاب الجرائم المنصوص عليها فى الكتاب الثانى من قانون العقوبات أو فى قانون الأحكام العسكرية أو أية جريمة تمس سلامة الدولة داخلياً أو خارجياً أياً كان القانون الذى ينص عليها.........".
وقد تضمن هذا الشطر من المادة بذاته تحديد اختصاص محكمة الثورة بالفصل فى الجرائم التى عينها، فنص على فئتين من الجرائم أولاهما حددها النص بأنها تلك التى نص عليها فى الكتاب الثانى من قانون العقوبات وعنوانه "الجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوبتها" وما نص عليه قانون الأحكام العسكرية الصادر بالقانون رقم 25 لسنة 1966 من هذه الجرائم، وتشمل الفئة الثانية أى جريمة تمس سلامة الدولة داخلياً أو خارجياً أياً كان القانون الذى ينص عليها وهى الأخرى جرائم متميزة محددة بأوصافها ولها مجال محدد ومدلول خاص أستقر فى الفقه والقضاء، وبذلك يقوم الاختصاص لمحكمة الثورة بالفصل فى الجرائم المحددة السالف بيانها بأداة تشريعية لها قوة القانون تملك تقرير هذا الاختصاص طبقاً لأحكام الدستور، ويقوم هذا الاختصاص جنباً إلى جنب مع الاختصاص المخول فى هذا الشأن للمحاكم الجنائية وللمحاكم العسكرية ، وأما سلطة الإحالة إلى محكمة الثورة التى ناطها النص المشار إليه برئيس الجمهورية وقصد بها تخويله سلطة وزن الاعتبارات التى تقتضى المحاكمة أمام محكمة الثورة بالنسبة لهذا الاختصاص المشترك بينها وبين المحاكم الجنائية والمحاكم العسكرية ، فإن هذه السلطة التى تقررت لرئيس الجمهورية بأداة لها قوة القانون مقصورة على الجرائم التى أو ردها النص، وتتم فى نطاق الاختصاص الذى عينه للمحكمة ، ومن ثم فلا ينطوى تخويل رئيس الجمهورية هذه السلطة على تعديل اختصاص جهات قضائية أخرى .
ومن حيث إن النعى على المادة الرابعة من القرار بقانون المطعون فيه بأنها إذ تخول رئيس الجمهورية تحديد من يمثل سلطة التحقيق والإدعاء بالنسبة للدعاوى التى تنظرها محكمة الثورة فى قرار التشكيل تكون قد خولت رئيس الجمهورية انتزاع اختصاص التحقيق والإدعاء من النيابة العامة وهى جهة قضائية وإسناده إلى جهة أخرى ، هذا النعى مردود بأن دستور سنة 1964 الذى صدر القرار بقانون المطعون فيه فى ظله خلا من نصوص تقضى بأن تكون إقامة الدعوى الجنائية بأمر من النيابة العامة أو أى جهة قضائية ، وقد أجاز الدستور القائم إقامة الدعوى الجنائية بغير أمر من جهة قضائية ، فتنص المادة (70) من هذا الدستور على أنه لا تقام الدعوى الجنائية إلا بأمر من جهة قضائية فيما عدا لأحوال التى يحددها القانون، وقد أباح قانون الإجراءات الجنائية إقامة الدعوى الجنائية من غير النيابة العامة ، فتنص المادة الأولى منه على أن "تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها ولا ترفع من غيرها إلا فى الأحوال المبينة بالقانون" وقد رددت المادة (21) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972 هذا الحكم، لما كان ذلك وكان القرار بقانون رقم 48 لسنة 1967 له قوة القانون، فإن نصه فى المادة الرابعة منه على أن يمثل سلطة التحقيق والإدعاء بالنسبة للدعاوى التى تنظرها محكمة الثورة الجهة أو الشخص الذى يحدده قرار التشكيل لا يخالف الدستور.
ومن حيث إن النعى على المادة السابعة من القرار بقانون المطعون فيه أنها إذ تنص على أن أحكام محكمة الثورة نهائية ولا يجوز الطعن فيها تتضمن تعديلاً لاختصاصات محكمة النقض بالنسبة إلى الأحكام التى تصدرها محكمة الثورة مردود بأنه ليس فى أحكام الدستور ما يحظر النص على أن تكون الأحكام التى تصدر من جهة قضاء نهائية وغير قابلة للطعن، وقد جرى الشارع على النص على ذلك بالنسبة للأحكام التى تصدرها بعض جهات القضاء لاعتبارات تقتضى ذلك.
ومن حيث إنه لما تقدم فإن النعى على القرار بقانون المطعون فيه بهذا السبب يكون على غير أساس سليم.
عن السبب الثالث:
ومن حيث إن السبب الثالث من أسباب الطعن بنى على أن العبارة الأخيرة من المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه إذ تنص على تخويل رئيس الجمهورية أن يحيل إلى محكمة الثورة الأفعال التى تعتبر ضد المبادئ التى قامت عليها الثورة تخالف المادة (25) من دستور سنة 1964 والمادة (26) من الدستور القائم اللتين تنصان على أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون.
ومن حيث إن ورود العبارة المشار إليها فى نهاية المادة الأولى آنفة الذكر لا يخل بسلامة ما تنص عليه من تحديد واضح لا لبس فيه لاختصاص محكمة الثورة فى الفصل فى الجرائم المحددة المنصوص عليها فى الكتاب الثانى من قانون العقوبات أو فى قانون الأحكام العسكرية وكذلك، الجرائم التى تمس سلامة الدولة داخلياً أو خارجياً والمحددة بوصفها ومدلولها على ما تقدم.
وإذ كان الثابت من حكم محكمة الثورة المرفق بأوراق الدعوى أن ما نسب إلى المدعى وحوكم عنه أمام محكمة الثورة هو ارتكابه جريمة الخيانة العظمى التى نص عليها قانون محاكمة الوزراء رقم 79 لسنة 1958 والتى تعتبر من الجرائم التى تمس سلامة الدولة وأمنها والمنصوص عليها فى الكتاب الثانى من قانون العقوبات والتى تندرج فى الجرائم التى حددتها المادة الأولى من القرار بقانون المطعون فيه والتى يستقيم نصها بذاته وينتج أثره القانونى بعد استبعاد العبارة المشار إليها لذلك فإن ما يثيره المدعى فى هذا السبب يكون غير مجد فى دعواه.
عن السبب الرابع:
ومن حيث إن حاصل هذا السبب أن المستفاد من نص المادتين (27، 33) من دستور سنة 1964 أن تنظيم إجراءات التحقيق التى تلتزم بها سلطة الاتهام والتحقيق يتعين أن يكون بقانون صادر من السلطة التشريعية ، ومن ثم فإن ما تضمنه القرار بالقانون المطعون فيه فى المادة الثالثة منه من عدم تقيد المحكمة فيما تباشره من إجراءات التحقيق والمحاكمة إلا بما يرد فى قرار تشكيلها قد جاء مخالفاً للدستور ويتعارض مع الاختصاصات المنوطة بالنيابة العامة وفقاً لأحكام قانون الإجراءات الجنائية .
ومن حيث إن هذا السبب مردود بأن القرار بقانون آنف الذكر أداة تشريعية لها قوة القانون الصادر من السلطة التشريعية ، وله بهذه المثابة تنظيم أى من الموضوعات المحتجزة للقانون بنص الدستور على ما تقدم، ومن ثم فإن لهذا القرار بقانون أن يخص المحكمة التى رتبها بأحكام بالنسبة لإجراءات التحقيق والمحاكمة تختلف عما هو متبع فى التحقيق والمحاكمة أمام الجهات القضائية الأخرى ما دام أن هذه الأحكام لا تخالف الدستور، ولما كان القرار بقانون المذكور قد خلا من أحكام فى هذا الخصوص تخالف الدستور، فإنه لا يكون متعارضاً مع أحكامه، أما ما يثيره المدعى من إدعاء التعارض بين القرار المطعون فيه وقوانين أخرى من ذات مرتبته، فهو مردود بأن الرقابة القضائية على دستورية القوانين تقوم على مخالفة التشريع لنص دستورى ، فلا تمتد لحالات التعارض أو التنازع بين القوانين ذات المرتبة الواحدة ، لذلك فإن ما يثيره المدعى فى هذا الخصوص لا يصلح سبباً للطعن بعدم الدستورية ولا يتناوله اختصاص هذه المحكمة .
عن السبب الخامس:
ومن حيث إن المدعى ينعى فى هذا السبب أن ما تنص عليه المادة الخامسة من القرار بقانون المطعون فيه من عدم جواز رد هيئة المحكمة أو أحد أعضائها يخالف نص المادة (152) من دستور سنة 1964 التى تقرر مبدأ استقلال القضاء ويخل بحق الدفاع المنصوص عليه فى المادة (28) من الدستور المذكور، ويهدر مبدأ المساواة الذى تنص عليه المادة (24) من هذا الدستور.
ومن حيث إن هذا النعى غير صحيح، ذلك بأن حق المتقاضين فى رد القضاة ليس من الحقوق الدستورية المقررة بنص الدستور، وإنما هو مقرر بتشريع عادى إذ نص عليه قانون المرافعات وقانون الإجراءات الجنائية وقد منعه القانون عن المتقاضين إذا قامت دواعى هذا المنع، ومن ثم فلا يمس منع حق الرد باستقلال القضاء، كما لا يخل هذا المنع بحق الدفاع المكفول للمتهمين أمام محكمة الثورة طبقاً للأصول الدستورية المقررة ، وليس فى تقرير هذا المنع ما يخل بمبدأ المساواة ذلك أن عموم القاعدة القانونية يتوافر بمجرد إنتفاء التخصيص بأن يسن الشارع قاعدته مجردة عن الاعتداد بشخص معين أو واقعة محددة بالذات، والشارع يملك بسلطته التقديرية لمقتضيات الصالح العام وضع شروط تحدد المراكز القانونية التى يتساوى بها الأفراد أمام القانون بحيث إذا توافرت هذه الشروط فى طائفة من الأفراد وجب إعمال المساواة بينهم لتماثل ظروفهم ومراكزهم القانونية ، فإذا اختلفت هذه الظروف بأن توافرت الشروط فى البعض دون البعض الآخر إنتفى مناط التسوية بينهم، والتجاء المشرع إلى هذا الأسلوب فى تحديد شروط موضوعية يقتضيها الصالح العام للتمتع بالحقوق لا يخل بشرطى العموم والتجريد فى القاعدة القانونية ، ذلك لأن المشرع إنما يخاطب الكافة من خلال هذه الشروط، ولما كان التشريع المطعون فيه قد استن قواعد عامة مجردة لا تستهدف حالة فردية بذاتها وإنما تطبق على من يحاكمون أمام محكمة الثورة طبقاً للشروط والأوضاع التى نص عليها القانون والذين تختلف ظروفهم عن باقى المتهمين الذين يحاكمون أمام محاكم أخرى ، لذلك فإن ما يثيره المدعى فى هذا الخصوص يكون على غير أساس.
ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 48 لسنة 1967 بإنشاء محكمة الثورة لا يخالف الدستور، ومن ثم فإن الدعوى برمتها لا تقوم على أساس سليم ولذلك يتعين رفضها ومصادرة الكفالة وإلزام المدعى المصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة :
أولاً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لعدم اختصاص محكمة الموضوع ولائياً بنظرها.
ثانياً:- برفض الدفع بعدم قبول الدعوى لانتفاء مصلحة المدعى فى رفعها.
ثالثاً:- بقبول الدعوى شكلاً وفى الموضوع برفضها وأمرت بمصادرة الكفالة وألزمت المدعى المصروفات ومبلغ ثلاثين جنيهاً مقابل أتعاب المحاماة .
مواد القانون التي يذكرها الحكم
- 79/1958 · المادة 5ليست في مكتبة الموقع بعد
- 79/1958 · المادة 6ليست في مكتبة الموقع بعد
- 79/1958 · المادة 7ليست في مكتبة الموقع بعد
- قانون العقوبات · المادة 59المادة (59) من قانون العقوبات، ويكون هذا الحكم قد سقط بك
- قانون السلطة القضائية · المادة 21المادة (21) من قانون السلطة القضائية الصادر بالقانون رقم 46 لسنة 1972
هذه الصفحة لعرض الحكم، وليست استشارة قانونية. طابِق النص على مصدره قبل الاستناد إليه.
اسأل المساعد عن هذا النص
مشتركو فاهم قانون يسألون المساعد عن هذه المادة داخل قضاياهم، ويرون كل مرجع في الإجابة مفحوصاً مقابل نصه في المكتبة.