حكم المحكمة الدستورية العليا، رقم 86 لسنة 22 قضائية «دستورية»، جلسة 14 مايو 2022
- المحكمة
- المحكمة الدستورية العليا
- النوع
- حكم
- نوع الدعوى
- دستورية
- الرقم
- رقم 86 لسنة 22 قضائية
- تاريخ الجلسة
- 14 مايو 2022
المصدر: sccourt.gov.eg (مصدر رسمي)
الموضوع
التهرب الضريبى من سداد الضريبة العامة على المبيعات "انقضـاء ستين يوماً على انتهاء المواعيد المحـددة لسداد الضريبة دون الإقرار عنها وسدادها"
فلهـذه الأسبـاب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعى بصفته المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الرابع عشر مــــن مايو سنة 2022م، الموافق الثالث عشر من شوال سنة 1443 هـ.
برئاسة السيد المستشار / بولس فهمى إسكندر رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: رجب عبد الحكيـــــم سليــــم ومحمـــود محمـــد غنيم والدكتور عبد العزيز محمد سالمان وطارق عبد العليم أبو العطا وعلاء الدين أحمد السيد والدكتورة فاطمة محمد أحمد الرزاز نواب رئيس المحكمة
وحضور السيد المستشار الدكتور / عماد طارق البشرى رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 86 لسنة 22 قضائية "دستورية".
المقامة من
إبراهيم إسماعيل محمد، بصفته رئيس مجلس إدارة الشركة السويدية لأسلاك اللحام
ضــــــد
1 - وزير الماليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة، بصفته الرئيس الأعلى لمصلحة الضرائب
2 - وزيـــــر العـــــــــــــــــــــــــــــــــــــدل
3 – رئيس مجلس الوزراء
الإجراءات
بتاريخ التاسع والعشرين من أبريل سنة 2000، أودع المدعى بصفته صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا، طالبًا الحكم بعدم دستورية نص البند (10) من المادة (44) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 فيما نص عليه من أنه " يُعد تهربًا من الضريبة يعاقب عليه بالعقوبات المنصوص عليها فى المادة السابقة ما يأتى: انقضاء ستين يومًـــــا على انتهاء المواعيد المحددة لسداد الضريبة دون الإقرار عنها وسدادها "، وبسقوط العقوبة المقررة المقابلة للنص المطعون عليه.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق – فى أن النيابة العامة كانت قد قدمت المدعـــــى للمحاكمة الجنائية فـــــى الدعوى رقم 5079 لسنة 1999 جنح الدخيلة، طالبة عقابه بالمادتين (43، 44) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، بوصف أنه فى يوم 4/3/1999، بدائرة قسم العامرية: لم يقم بسداد الضرائب المستحقة عليه عن الفترة من مايو حتى يوليو سنة 1992، ويونيو سنة 1993، خلال المواعيد المقررة قانونًا على النحو المبين بالأوراق. تدوولت الدعوى بالجلسات، وادعى المدعى عليه الأول مدنيًّــا بقيمة الضريبة المستحقة والضريبة الإضافية. وبجلسة 25/3/2000، دفع المدعى بعدم دستورية البند (10) من المادة (44) من قانون الضريبة العامة على المبيعات المشار إليه المعدل بالقانون رقم 91 لسنة 1996. وإذ قدرت المحكمة جدية هذا الدفع، أجلت نظر الدعوى لجلسة 6/5/2000، لإقامة الدعوى الدستورية، فأقام المدعى الدعوى المعروضة.
وحيث إن نص المادة (43) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 المعـــــــــدل بالقانون رقـــــــــــم 91 لسنة 1996 – مقروءًا فى ضوء حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بجلسة 4/11/2007، فى الدعوى رقم 9 لسنة 28 قضائية "دستورية" - تنص على أن " مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد، يقضى بها قانون آخر، يعاقب على التهرب من الضريبة بالحبس مدة لا تقل عن شهر وبغرامة لا تقـــــل عن ألـــــف جنيــــه ولا تجاوز خمسة آلاف جنيــــه أو بإحدى هاتين العقوبتين، ويحكم على الفاعلين متضامنين بالضريبة والضريبة الإضافية.
وفى حالة العود يجوز مضاعفة العقوبة والتعويض.
وتنظر قضايا التهرب عند إحالتها إلى المحاكم على وجه الاستعجال".
وتنص المادة (44) من القانون ذاته على أن " يُعد تهربًا من الضريبة يعاقب عليه بالعقوبات المنصوص عليها فى المادة السابقة ما يأتى: ............
10- انقضاء ستين يومًا على انتهاء المواعيد المحددة لسداد الضريبة دون الإقرار عنها وسدادها ".
وحيث إن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يتغيا أن تفصل المحكمة الدستورية العليا فى الخصومة الدستورية من جوانبها العملية وليس من معطياتها النظرية، وهو كذلك يقيد تدخلها فى هذه الخصومة، فلا تفصل فى غير المسائل الدستورية التى يؤثر الحكم فيها على النزاع الموضوعى. ويتحدد مفهوم هذا الشرط باجتماع عنصرين، أولهما: أن يقيم المدعى - فى حدود الصفة التى اختصم بها النص المطعون فيه - الدليل على أن ضررًا واقعيًّــا قد لحق به، سواء كان مهددًا بهذا الضرر، أم كان قد وقع فعلاً. ثانيهما: أن يكون هذا الضـــــرر عائدًا إلى النص المطعـــــون فيــــــه، وليس متوهمًا أو منتحلاً أو مجهلاً، فإذا لم يكن هذا النص قد طبق أصلاً على من ادعى مخالفته للدستور، أو كان من غير المخاطبين بأحكامه، أو كان الإخلال بالحقوق التى يدعيها لا يعود إليه، دلّ ذلك على انتفــــــاء المصلحة الشخصية المباشــــرة، ذلك أن إبطال النص التشريعى فى هذه الصور جميعها لن يحقق للمدعى أى فائدة عملية يمكن أن يتغير بها مركزه القانونى بعد الفصل فى الدعوى الدستورية عما كان عليه قبلها.
لما كان ذلك، وكانت رحى النزاع الموضوعى تدور حول ما نسبته النيابة العامة إلى المدعى من أنه لم يقم بسداد الضريبة المستحقة عن الفترات من مايو حتى يوليو عام 1992، ويونيو عام 1993، وذلك لمدة جاوزت ستين يومًا تالية لانتهاء المواعيد المقررة قانونًا؛ بما يعتبر معه انقضاء تلك المدة إحدى صور التهرب من الضريبة التى أثمها صدر المادة (44) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991، والبند (10) من المادة ذاتها بعد استبداله بالقانون 91 لسنة 1996. ومن ثم فإن الفصل فى دستورية هذا النص محددًا نطاقه على النحو المتقدم، يرتب انعكاسًا أكيدًا ومباشرًا على الطلبات فى الدعوى الموضوعية، وقضاء محكمة الموضوع فيها، وتتوافر للمدعى مصلحة شخصية مباشرة بالنسبة له. ولا ينال من ذلك، ما نصت عليه المادة الثانية من القانـــون رقـــــم 67 لسنة 2016 بإصدار قانــــون الضريبة على القيمة المضافـــــة، من أنه " يلغى قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991 كمـــا يلغـــى كــل نص يتعارض مــع أحكـــام هــــذا القانـــون ........."، إذ إن المقرر فى قضاء هذه المحكمة، أن إلغاء النص التشريعى الجنائى المطعـــــــــــون فيه، متى كان أصلح للمتهم، لا يحول دون النظر والفصل فى الطعن بعدم الدستورية من ِقبَلِ من طُبّقَ عليهم ذلك النص خلال فترة نفاذه، وترتبت بمقتضاه آثار قانونية بالنسبة إليهم، وبالتالى توافرت لهم مصلحة شخصية فى الطعن عليه. متى كان ما تقدم، وكان التهرب من الضريبة على المبيعات معاقبًا عليه بعقوبة الجنحة، فى حين أن الفعل ذاته معاقب عليه فى قانون الضريبة على القيمة المضافة بعقوبة الجناية، ومن ثم يُعد القانون الملغى قانونًا أصلح للمدعى من منظور العقوبة، وعلى ذلك يظل مخاطبًــا بالنص المطعون فيه، وتتحقق مصلحته الشخصية المباشرة فى الطعن عليه بعدم الدستورية.
وحيث إن المدعى ينعى على النص المطعون فيه إهدار أصل البراءة ومبادئ العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والمساواة، إذ إنه افترض أن انقضاء ستين يومًا على انتهاء المواعيد المحددة لسداد الضريبة المستحقة على مبيعاته دون الإقرار عنها وسدادها، يشكل جريمة التهرب المعاقب عليها بالمادة (43) من قانون الضريبة العامة على المبيعات، كما أنه ساوى بين من تأخر فى تقديم الإقرار وسداد الضريبة، وبين من لم يقدمه مطلقًا، ولم يسدد الضريبة بما يخالف أحكام المواد (8، 38، 40) من دستور 1971، وتقابلها المواد (4، 9، 38، 53) من الدستور الحالى.
وحيث إن من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الرقابة على دستورية القوانين من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور، تخضع للدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون هذا الدستور، وحمايته من الخروج على أحكامه، لكون الطبيعة الآمرة لقواعد الدستور، وعلوها على ما دونها من القواعد القانونية، وضبطها للقيم التى ينبغى أن تقوم عليها الجماعة، تقتضى إخضاع القواعد القانونية جميعها – أيًّــا كان تاريخ العمل بها – لأحـــــكام الدســـــــتور القائم، لضــــــمان اتساقها والمفاهيم التى أتى بها، فـــلا تتفرق هذه القواعد فى مضامينها بين نظـــــم مختلفة يناقض بعضها بعضًــا، بما يحول دون جريانها وفق المقاييس الموضوعية ذاتها التى تطلبها الدستور القائم كشرط لمشروعيتها الدستورية. إذ كان ذلك، وكانت المناعى التى وجهها المدعى إلى النص المطعون فيه تندرج ضمن المطاعن الموضوعية التى تقوم فى مبناها على مخالفة نص تشريعى لقاعدة فى الدستور، من حيث محتواها الموضوعى، وكان النص المطعون فيه قد عُمل به حتى تم إلغاؤه بنص المادة الثانية من القانون رقم 67 لسنة 2016 بإصدار قانون الضريبة على القيمة المضافة - على ما سبق بيانه - فإن هذه المحكمة تفصل فى دستورية النص المطعون فيه على ضوء أحكام الدستور الصادر سنة 2014.
وحيث إن الدستور الحالى قد حرص فى المادة (4) منه، على النص على مبدأ تكافؤ الفرص، باعتباره من الركائز الأساسية التى يقوم عليها بناء المجتمع، والحفاظ على وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (9) منه، تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز، التزامًا دستوريًّــا على عاتق الدولة، لا تستطيع منه فكاكًا، واعتبر بموجب نص المادة (27) منه، ضمان هذا المبدأ التزامًا اجتماعيًّــا للنظام الاقتصادى الذى تنتهجه الدولة. وقوام هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – أن الفرص التى كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتتدخل الدولة إيجابيًّــا لضمان عدالة توزيعها بين من يتزاحمون عليها، وضرورة ترتيبهم بالتالى فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصر والاعتدال، وهو ما يعنى أن موضوعية شروط النفاذ إليهـــــا مناطهـــــا تلك العلاقـــــة المنطقية التى تربطهـــــا بأهدافهـــا، فلا تنفصل عنها، ولا يجوز بالتالى حجبها عمن يستحقونها، ولا إنكارها لاعتبار لا يتعلق بطبيعتها ومتطلباتها.
كما جرى قضاء هذه المحكمة على أن مبدأ المساواة الذى كفله الدستور بمقتضــى نصــي المادتين (4، 53) منــه، لا يعنــى معاملــــة المواطنيــــن جميعًا وفــق قواعد موحدة، ذلك أن النظام التشريعــى قد ينطــــوى على تقسيم أو تصنيف أو تمييز، سواء من خلال الأعباء التى يلقيها على البعض أم من خلال المزايا التى يمنحها لفئة دون غيرها، إلا أن مناط دستورية هذا التنظيم ألا تنفصل النصوص التى ينظم بها المشرع موضوعًا معينًا عن أهدافها؛ ليكون اتصال الأغـــراض التى توخى تحقيقهـــا بالوسائــــــل التـــى لجـــأ إليهــــــا منطقيًّــا، وليس واهيًّــا أو واهنًا أو منتحلاً، بما يخل بالأسس الموضوعية التى يقوم عليها التمييز المبرر دستوريًّــا.
وحيث إن تجريم التهرب الضريبى فى الصورة التى عينها النص المطعون فيه، مقتضاه تحصيل المسجل للضريبة المفروضة على المبيعـات أو الخدمات، وامتناعه عن الإقرار عنها وسدادها، خلال المواعيد المحددة للإقرار والسداد، وما يعقب ذلك من احتباسه للضريبة المحصلة مدة تجاوز ستين يومًــا تالية على انقضاء المواعيد المشار إليها، إنما يهدف إلى تأمين موارد الدولة من الضريبة وتنميتها، تمكينًا لها من أداء دورها فى خدمة المجتمع، وتحقيق النفع العام، والمساهمة الفاعلة فى التنمية الاقتصادية، وهى الغايات والأغراض التى يمثل بلوغها هدفًا للنظام الضريبى بصريح نص المادة (38) من الدستور، وأحد أوجه الضرورة الاجتماعية المبررة للتجريم فى هذه الأحوال، ومن ثم يكون النص المطعـــــــــون فيه مستندًا إلى أسس موضوعيـــــــــة تبرره، ولا يتضمن تمييزًا تحكميًّــا، ولا يخالف مبدأي المساواة وتكافؤ الفرص، اللذين كفلهما الدستور فى المواد (4، 9، 27، 53) منه.
وحيث إن الدستور الحالى قد اعتمد بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ العدل باعتباره إلى جانب مبدأى المساواة وتكافؤ الفرص، أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك حرص الدستور فى المادة (96) منه، على جعله ضابطًا للمحاكمة القانونية العادلة والمنصفة، التى يكفل للمتهم فيها ضمانات الدفاع عن نفسه، فالعدالة الجنائية فى جوهر ملامحها - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - هى التى يتعين ضمانها من خلال قواعد محددة تحديدًا دقيقًا، ومنصفًا، يتقرر على ضوئها ما إذا كان المتهم مدانًا أو بريئًا، ويفترض ذلك توازنًا بين مصلحة الجماعة فى استقرار أمنها، ومصلحة المتهم فى ألا تفرض عليه عقوبة ليس لها من صلة بفعل أتاه، أو تفتقر هذه الصلة إلى الدليل عليها، ولا يجوز بالتالى أن تنفصل العدالة الجنائية عن مقوماتها التى تكفل لكل متهم حدًّا أدنى من الحقوق التى لا يجوز النزول عنها أو التفريط فيها، ولا أن تخل بضرورة أن يظل التجريم مرتبطًا بالأغراض النهائية للقوانين العقابية.
وحيث إنه من المقرر فى قضاء هذه المحكمة أنه يجب أن يقتصر العقاب الجنائى على أوجه السلوك التى تضر بمصلحة اجتماعية ذات شأن لا يجوز التسامح مع من يعتدى عليها، ذلك أن القانون الجنائى، وإن اتفق مع غيره من القوانين فى سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم وبعض، وعلى صعيد صلاتهم بمجتمعهم، فإن هذا القانون يفارقها فى اتخاذه الجزاء الجنائى أداة لحملهم على إتيان الأفعال التى يأمرهم بها، أو التخلى عن تلك التى ينهاهم عن مقارفتها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد من منظور اجتماعى ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بمـــــا مـــــؤداه أن الجـــــزاء على أفعالهم لا يكـــــون مخالفًا للدستور، إلا إذا كان مجاوزًا حدود الضرورة التى اقتضتها ظروف الجماعة فى مرحلة من مراحل تطورها، فإذا كان مبررًا من وجهة اجتماعية، انتفت عنه شبهة المخالفة الدستورية.
وحيث إن النطاق الحقيقى لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات إنما يتحدد على ضوء عدة ضمانات يأتى على رأسها وجوب صياغة النصوص العقابية بطريقة واضحة محددة لا خفاء فيها أو غموض، فلا تكون هذه النصوص شباكًا أو شراكًا يلقيها المشرع متصيدًا باتساعها أو بخفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها، وهى ضمانات غايتها أن يكون المخاطبون بالنصوص العقابية على بينة من حقيقتها، فلا يكون سلوكهم مجافيًا لها، بل اتساقًا معها ونزولاً عليها.
وحيث إن افتراض أصل البراءة - على ما جـــــرى به قضـــــاء هـــذه المحكمة - يُعد أصلاً ثابتًا يتعلق بالتهمة الجنائية، وينسحب إلى الدعوى الجنائية فى جميع مراحلها وعلى امتداد إجراءاتها، وقد غدا حتمًا عدم جواز نقض البراءة بغير الأدلة الجازمة التى تخلص إليها المحكمة، وتتكون من مجموعها عقيدتها حتى تتمكن من دحض أصل البراءة المفروض فى الإنسان، على ضوء الأدلة المطروحة أمامها، التى تثبت كل ركن من أركان الجريمة، وكل واقعة ضرورية لقيامها، بما فى ذلك القصد الجنائــــــى بنوعيه إذا كان متطلبًا فيهـــــــا، وبغيــــر ذلك لا ينهدم أصل البراءة.
وحيث إنه عن النعى بخروج النص المطعون فيه على مبدأ أصل البراءة، فإنه مردود؛ بأن ذلك النص لم يتخذ من تحقق الركن المادى للجريمة التى انتظمها البند رقم (10) منه، قرينة قانونية غير قابلة لإثبات عكسها، تقوم بها – وحدها – مسئولية جنائية مفترضة لمن يخالف الالتزام الوارد فيه، أو يهدر أصل براءة المخالف، بحسبان ذلك النص لم يعف سلطة الاتهام من إثبات وقوع الجريمة بركنيها المادى والمعنوى، ولم يحل بين محكمة الموضوع – فى ضوء التزامها المنصوص عليه فى المادة (304) من قانون الإجراءات الجنائية – وبين التحقق بصورة يقينية من وقوع ركنى جريمة التهرب الضريبى، ولم يصادر حق المتهم بالجرم المذكور فى أن يدفع نسبته إليه بكافة أوجه الدفاع التى تواجه أدلة الاتهام التى ساقتها ضده النيابة العامة، سواء ما يتعلق منها بعناصر الركن المادى للجريمة، أو ما يتصل منها بالقصـــــــد الجنائـــــــى. فضلاً عن أن السلطة التشريعية – التى تختص وحدها بالتجريم – قد حددت نموذج الجريمة التى انتظمها ذلك النص، ملتزمة بالضوابط الدستورية للنص الجنائى من حيث صياغته بصورة جلية ومحددة، لا لبس فيها ولا غموض، وجاءت عبارة هذا النص متضمنة الركن المادى للجريمة، وقوامه انقضاء ستين يومًا على انتهاء المواعيد المحددة لسداد الضريبة – التى أبانتها الفقرة الأولى من المادة (16) من قانون الضريبة العامة على المبيعات الصادر بالقانون رقم 11 لسنة 1991. وقرار وزير المالية رقم 190 لسنة 1991 – دون الإقرار عنها وسدادها. كما أوجب النص توافر قصد عمدى يقارن الركن المادى، جوهره: العلم بعناصر هذا الركن، وإرادة تحقيق النتيجة المترتبة عليه، ممثلة فى الإفلات من سداد الضريبة المستحقة على النشاط الخاضع لها. وفى المقابل، لم يتضمن النص المطعون فيه إلزامًا بالقضاء فى الدعوى الجنائية المقامة على الفعـــل الـــذى انتظمه ذلك النص على وجـــه محـــدد، إذ يناط بقاضى الموضوع وحده التحقق من توافر ركنى الجريمة، فيحكم بالبراءة إن تخلف أحدهما، وبالإدانة متى تحقق كلاهما، ويستقل بتحديد العقوبة بين حديها الأدنى والأقصى، دون أن يتسلط المشرع عليه – بحال – فى تطبيقه لنموذج نص التجريم أو نص العقاب. الأمر الذى يكون معه النص المطعون فيه قد التزم حدود الشرعية الدستورية للنص الجنائى، وانضبط بقواعدها المقررة فى شأن عدم افتراض المسئولية الجنائية بقرينة تحكمية تزحزح أصل البراءة، أو مساس بقيم العدل الضابطة لسن نصوص التجريم والعقاب، وقواعد المحاكمة القانونية العادلة، وبما لا مخالفة فيه لأى من نصـــوص المـــــواد (4، 9، 27، 38، 53، 94، 95، 96، 97، 98) مــــن الدستور القائـم، أو أى من أحكامه الأخرى، مما يتعين معه القضاء، فى شأن النص المار ذكره، برفض الدعوى.
وحيث إنه عن الطلب المبدى من المدعى بسقوط العقوبة المقابلة للنص المطعون فيه، فقد جرى قضاء هذه المحكمة على أن طلب السقوط لا يعد طلبًا مستقلاً بعدم الدستورية، وإنما هو من قبيل التقديرات القانونية التى تملكها المحكمة الدستورية العليا، بمناسبة قضائها فى الطلبات الأصلية المطروحــــــــــة عليها، ويتصــــــــــل بالنصوص القانونــــــــــية التـــــى ترتبـــــط بهــــــــــا ارتباطًـــــا لا يقبــــــــــل الفصـــــل أو التجزئـــــة، وإذ انتهت المحكمة فيما تقدم إلى القضاء برفض الدعوى، فإنه يتعين الالتفات عن هذا الطلب.
فلهـذه الأسبـاب
حكمت المحكمة برفض الدعوى، ومصادرة الكفالة، وألزمت المدعى بصفته المصروفات ومبلغ مائتى جنيه مقابل أتعاب المحاماة.
أمين السر رئيس المحكمة
مواد القانون التي يذكرها الحكم
- 11/1991 · المادة 44ليست في مكتبة الموقع بعد
- 11/1991 · المادة 43ليست في مكتبة الموقع بعد
- 11/1991 · المادة 16ليست في مكتبة الموقع بعد
هذه الصفحة لعرض الحكم، وليست استشارة قانونية. طابِق النص على مصدره قبل الاستناد إليه.
اسأل المساعد عن هذا النص
مشتركو فاهم قانون يسألون المساعد عن هذه المادة داخل قضاياهم، ويرون كل مرجع في الإجابة مفحوصاً مقابل نصه في المكتبة.