حكم المحكمة الدستورية العليا، رقم 104 لسنة 35 قضائية «دستورية»، جلسة 3 نوفمبر 2018
- المحكمة
- المحكمة الدستورية العليا
- النوع
- حكم
- نوع الدعوى
- دستورية
- الرقم
- رقم 104 لسنة 35 قضائية
- تاريخ الجلسة
- 3 نوفمبر 2018
المصدر: sccourt.gov.eg (مصدر رسمي)
الموضوع
تحديد أقدمية الموظف المعار عند عودته من الإعارة علي أساس أن يوضع أمامه عدد من الموظفين مماثل للعدد الذي كان يسبقه في نهاية مدة السنوات الأربع أو جميع الموظفين الشاغلين لادرجة الوظيفة عند عودته أيهما أقل
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى.
نص الحكم
باسم الشعب
المحكمة الدستورية العليا
بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت الثالث من نوفمبر سنة 2018م، الموافق الخامس والعشرون من صفر سنة 1440 هـ.
برئاسة السيد المستشار الدكتور / حنفى على جبالى رئيس المحكمة
وعضوية السادة المستشارين: محمد خيرى طه النجار وسعيد مرعى عمرو
والدكتور عادل عمر شريف ورجب عبد الحكيم سليم وبولس فهمى إسكندر ومحمود محمد غنيم نواب رئيس المحكمة
وحضور السيدة المستشار / شيرين حافظ فرهود رئيس هيئة المفوضين
وحضور السيد / محمـد ناجى عبد السميع أمين السر
أصدرت الحكم الآتى
فى الدعوى المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 104 لسنة 35 قضائية "دستورية"، بعد أن أحالت محكمة القضاء الإدارى بالمنوفية بحكمها الصادر بجلسة 24/3/2013، ملف الدعوى رقم 2614 لسنة 4 قضائية.
المقامة من
محمد موسى سليمان أبوشادى
ضــــد
1- محافــــــــــــــظ المنوفيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
2- وكيل وزارة الصحة بالمنوفية
الإجـراءات
بتاريخ العاشر من يونيو سنة 2013، ورد إلى قلم كتاب المحكمة الدستورية العليا ملف الدعوى رقم 2614 لسنة 4 قضائية، بعد أن حكمت محكمة القضاء الإدارى بالمنوفية بجلسة 24/3/2013،بوقف الدعوى وإحالة أوراقها إلى المحكمة الدستورية العليــــــــا للفصل فى دستوريــــــة نص المـــــادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 فيما أغفله من تنظيم الحق فى الاحتفاظ بترتيب الأقدمية والحق فى الترقية المطلقة أو بالرسوب الوظيفى للعامل الذى يشغل وظيفة تكرارية ومرخصًا له بإعارة للعمل فى وظيفة تتطابق طبيعتها مع طبيعة أعمال وظيفته بالداخل وتجاوزت مدة إعارته أربع سنوات.
وقدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، طلبت فيها الحكم برفض الدعوى.
وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.
ونُظرت الدعوى على النحو المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.
المحكمــــة
بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.
حيث إن الوقائع تتحصل – على ما يتبين من حكــــم الإحالة وسائر الأوراق – فى أن المدعى فى الدعوى الموضوعية كان قد أقام الدعوى رقم 2614 لسنة 4 قضائية، أمام محكمة القضاء الإدارى بالمنوفية، ضد محافظ المنوفية وآخر، طالبًا الحكم بإلغاء القرار رقم 2296 لسنة 1995 فيما تضمنه من تخطيه فى الترقية للفئة الثانية اعتبارًا من 1/12/1992، وإلغاء القرار رقم 1238 لسنة 2002 فيما تضمنه من تخطيه فى الترقية للفئة الأولى اعتبارًا من 1/5/2002، وما يترتب على ذلك من آثار، وذكر شرحًا لدعواه أنه حاصل على بكالوريوس الطب والجراحة عام 1976 وعين بموجبه بوظيفة طبيب بشرى بأحد المستشفيات التابعة لمديرية الشئون الصحية بالمنوفية اعتبارًا من 1/3/1976، وقد رخصت له جهة الإدارة بإعارة للعمل بوظيفة طبيب بأحد مستشفيات المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 3/3/1982، حتى 2/9/2001، وبعد عودته من الإعارة تسلم عمله، وتم رفع الدرجة المالية لوظيفته - طبقًا لنظام الرســـوب الوظيفى - إلى الدرجة الثانية اعتبارًا من 1/5/2002، ثم رفعت إلى الدرجة الأولى اعتبارًا من 1/7/2008، وقد علم أن زملاءه الأحدث منه سبقوه فى الترقية إلى هاتين الدرجتين، وإلى درجة كبير وتمت ترقيتهم بالأقدمية المطلقة وبالرسوب الوظيفى، فتظلم من ذلك، فأجابته جهة الإدارة بأن سبب تأخــــر ترقيته إنما يرجـــــــــع إلى تجاوز مدة إعارته أربع سنوات، ولذلك أعيد ترتيب أقدميته بالدرجة الثالثة، فسبقه زملاؤه الأحدث منه فى ترتيب الأقدمية فى هذه الدرجة، وذلك تطبيقًا للحكم الوارد بنص المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978. وإذ تراءى للمحكمة عدم دستورية نص المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 فيما أغفله من تنظيم الحق فى الاحتفاظ بترتيب الأقدمية والحـــــق فى الترقية المطلقــــــة أو بالرسوب الوظيفى، للعامل الذى يشغل وظيفة تكرارية، ومرخصًا له بإعارة للعمل فى وظيفة تتطابق طبيعتها مع طبيعة أعمال وظيفته بالداخل، وتجاوزت مدة إعارته أربع سنوات، لمخالفتها المواد (8، 9، 24، 31، 33، 34، 64، 74) من الدستور الصادر سنة 2012.
وحيث إن المادة (58) من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 تنص على أن "يجوز بقرار من السلطة المختصة بالتعيين بعد موافقة العامل كتابة إعارته للعمل فى الداخل أو الخارج ويحدد القرار الصادر بالإعارة مدتها وذلك فى ضوء القواعد والإجراءات التى تصدرها السلطة المختصة.
ويكون أجر العامل بأكمله على جانب الجهة المستعيرة، ومع ذلك يجوز منحه أجرًا من حكومة جمهورية مصر العربية سواء كانت الإعـــــــارة فى الداخــــــــل أو الخارج وذلك بالشروط والأوضاع التى يحددها رئيس الجمهورية.
وتدخل مدة الإعارة ضمن مدة اشتراك العامل فى نظام التأمين الاجتماعى واستحقاق العلاوة والترقية، وذلك مع مراعاة أحكام القانون رقم 79 لسنة 1975 بإصدار قانون التأمين الاجتماعى والقوانين المعدلة له.
ومع ذلك فإنه لا يجوز فى غير حالات الإعارة التى تقتضيها مصلحة قومية عليا يقدرها رئيس مجلس الوزراء ترقية العامل إلى درجات الوظائف العليا إلا بعد عودته من الإعارة كما لا تجوز إعارة أحد شاغلى تلك الوظائف قبل مضى سنة على الأقل من تاريخ شغله لها.
وفى غير حالة الترقية لدرجات الوظائف العليا لا يجوز ترقية العامل الذى تجاوز مدة إعارته أربع سنوات متصلة، وتعتبر المــــدة متصلة إذا تتابعت أيامهــــــا أو فصل بينها فاصل زمنى يقل عن سنة.
وتحدد أقدمية العامل عند عودته من الإعارة التى تجاوز المدة المشار إليها فى الفقرة السابقة على أساس أن يوضع أمامه عدد من العاملين مماثل للعدد الذى كان يسبقه فى نهاية هذه المدة أو جميع الشاغلين لدرجة الوظيفة عند عودته أيهما أقل".
وحيث إن المصلحة فى الدعوى الدستورية - وهى شرط لقبولها - مناطها – وعلى ما جرى عليه قضاء هذه المحكمة – أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة فى الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يؤثر الحكم فى المسألة الدستورية على الطلبات المرتبطة بها والمطروحة على محكمة الموضوع، ويستوى فى شأن توافر المصلحة أن تكون الدعوى قد اتصلت بالمحكمة عن طريق الدفع أو عن طريق الإحالة، والمحكمة الدستورية العليا هى وحدها التى تتحرى توافر شرط المصلحة فى الدعاوى الدستورية للتثبت من شروط قبولها، بما مؤداه أن الإحالة من محكمة الموضوع إلى المحكمة الدستورية العليا لا تفيد بذاتها توافر المصلحة، بل يتعين أن يكون الحكم فى المطاعن الدستورية لازمًا للفصل فى النزاع المثار أمام محكمة الموضوع، فإذا لم يكن للفصل فى دستورية النصوص التى ثارت بشأنها شبهة عدم الدستورية لدى محكمة الموضوع انعكاس على النزاع الموضوعى؛ فإن الدعوى الدستورية تكون غير مقبولة. متى كان ذلك، وكان النزاع المردد أمام محكمة الموضوع ينصب على طلب المدعى فى الدعوى الموضوعية إلغاء القرارين رقمى 2296 لسنة 1995، 1238 لسنة 2002 فيما تضمناه من تخطيه فى الترقية للدرجة الثانية والأولى على التوالى، والاحتفاظ له بترتيب أقدميته فى الدرجة الثالثة التخصصية وذلك خلال فترة إعارته من 3/3/1982، وحتى 2/9/2001، مع الاعتداد بهذا الترتيب فيما تم إجراؤه من ترقيات لزملائه الأحدث منه سواء عن طريق الترقية بالأقدمية المطلقة أو الرسوب الوظيفى. وكان نصا الفقرتين الأخيرتين من النص المحال هما الحاكمين لترقية الموظف المعار للخارج الذى تجاوزت مدة إعارته أربع سنوات متصلة لغير درجات الوظائف العليا، وتحديد أقدميته عند عودته من الإعارة، على أساس أن يوضع أمامه عدد من الموظفين مماثل للعدد الذى كان يسبقه فى نهاية مدة السنوات الأربع، أو جميع الموظفين الشاغلين لدرجة الوظيفة عند عودته أيهما أقل، فإن المصلحة تكون متحققة بالنسبة لهاتين الفقرتين فى الحدود المتقدمة، فى مجال انطباقهما على الإعارة للخارج، لما للقضاء فى دستوريتهما من أثر وانعكاس على الطلبات المطروحة على محكمة الموضوع وقضاء المحكمة فيها، دون غيرها من الأحكام التى تضمنتها الفقرتان المار ذكرهما.
ولا ينال مما تقدم إلغاء المشرع قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 بموجب القانون رقم 81 لسنة 2016 بإصدار قانون الخدمة المدنية، ذلك أن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن إلغاء النص التشريعى لا يحول دون الطعن عليه ممن طبق عليه، أو إحالته للمحكمة الدستورية العليا للفصل فى دستوريته.
وحيث إن الرقابة القضائية على دستورية القوانين واللوائح، من حيث مطابقتها للقواعد الموضوعية التى تضمنها الدستور، إنما تخضع لأحكام الدستور القائم دون غيره، إذ إن هذه الرقابة تستهدف أصلاً صون الدستور القائم، وحمايته من الخروج على أحكامه التى تمثل دائمًا القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ولها مقام الصدارة بين قواعد النظام العام التى يتعين التزامها ومراعاتها وإهدار ما يخالفها من التشريعات، باعتبارها أسمى القواعد الآمرة، وكان النص المحال قد استمر العمل بأحكامـــــــــه بعد صـــــــدور الدستور الحالى حتى يـــــــــوم الثانى من شهر نوفمبر سنة 2016 تاريخ العمل بقانون الخدمة المدنية الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 2016، والذى ألغى بموجب نص المادة الثانية منه قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978، ومن ثم فإن حسم أمر دستورية النص المحال سوف يتم فى ضوء أحكام الدستور القائم.
وحيث إن الدستور قد حرص فى المادة (4) منه على النص على مبدأ تكافؤ الفرص، باعتباره من الركائز الأساسية التى يقوم عليها بناء المجتمع، والحفاظ على وحدته الوطنية، ومن أجل ذلك جعل الدستور بمقتضى نص المادة (9) منه تحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز التزامًا دستوريًّا على عاتق الدولة، لا تستطيع منه فكاكًا. وقوام هذا المبدأ - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن الفرص التى كفلها الدستور للمواطنين فيما بينهم تفترض تكافؤها، وتدخل الدولة إيجابيًّا لضمان عدالة توزيعها بين من يتزاحمون عليها، وضرورة ترتيبهم بالتالى فيما بينهم على ضوء قواعد يمليها التبصـــر والاعتدال؛ وهو ما يعنى أن موضوعية شروط النفاذ إليها، مناطها تلك العلاقة المنطقية التى تربطها بأهدافها، فلا تنفصل عنها.
وحيث إن الدستور قد اعتمد كذلك بمقتضى نص المادة (4) منه مبدأ المساواة، باعتباره إلى جانب مبدأى العدل وتكافؤ الفرص، أساسًا لبناء المجتمع وصيانة وحدته الوطنية، وتأكيدًا لذلك حرص الدستور فى المادة (53) منه على كفالة تحقيق المساواة لجميع المواطنين أمام القانون، وفى الحقوق والحريات والواجبـــــــــات العامــــــــــــــــة، دون تمييز بينهـــم لأى سبب، إلا أن ذلك لا يعنى - وفقًا لما استقر عليه قضاء هذه المحكمة - أن تعامل فئاتهم على ما بينها من تفاوت فى مراكزها القانونية معاملة قانونية متكافئة، كذلك لا يقوم هذا المبدأ على معارضة صور التمييز جميعها، ذلك أن من بينها ما يستند إلى أسس موضوعية ولا ينطوى بالتالى على مخالفة لنصى المادتين (4، 53) المشار إليهما، بما مؤداه أن التمييز المنهى عنه بموجبها هو ذلك الذى يكون تحكميًّا، وأساس ذلك أن كل تنظيم تشريعى لا يعتبر مقصودًا لذاته، بل لتحقيق أغراض بعينها تعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التى يسعى المشرع إلى تحقيقها من وراء هذا التنظيــــــــــم.
وحيث إن من المقرر كذلك أن النصوص القانونية التى ينظم بها المشرع موضوعًا محددًا لا يجوز أن تنفصل عن أهدافهـــــــــــــــا، ذلك أن كل تنظيم تشريعـــــى لا يصدر عن فراغ، ولا يعتبر مقصودًا لذاته، بل مرماه إنفاذ أغراض بعينها يتوخاها، وتعكس مشروعيتها إطارًا للمصلحة العامة التى أقام المشرع عليها هذا التنظيم باعتباره أداة تحقيقها، وطريق الوصول إليها.
وحيث إن الدستور قد عُنى فى المادة (14) منه بكفالة حق المواطنين فى شغل الوظائف العامة على أساس الكفاءة، ودون محاباة أو وساطة، وجعل شغل الوظائف العامة تكليفًا للقائمين عليها لخدمة الشعب، وناط بالدولة كفالة حقوق شاغلى الوظائف العامة وحمايتهم، وقيامهم بأداء واجباتهم فى رعاية مصالح الشعب.
وحيث إن المقرر فى قضاء هذه المحكمة أن الدستور هو القانون الأساسى الأعلى الذى يرسى القواعد والأصول التى يقوم عليها نظام الحكم، ويحدد السلطات العامة ويرسم لها وظائفها ويضع الحدود والقيود الضابطة لنشاطها، ويقرر الحريات والحقوق العامة ويرتب الضمانات الأساسية لحمايتها، ومن ثم فقد تميز الدستور بطبيعة خاصة تضفى عليه السيادة والسمو بحسبانه كفيل الحريات وموئلها وعماد الحريات الدستورية وأساس نظامها، وحق لقواعده أن تستوى على القمة من البناء القانونى للدولة وتتبوأ مقام الصدارة بين قواعد النظام العام باعتبارها أسمى القواعد الآمرة التى يتعين على الدولة التزامها فى تشريعاتها وفى قضائها وفيما تمارسه من سلطات تنفيذية، دون أية تفرقة أو تمييز فى مجال الالتزام بها، بين السلطات العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. وإذ كان خضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصلاً مقررًا وحكمًا لازمًا لكل نظام ديمقراطى سليم، فإنه يتعين على كل سلطة عامة، أيًّا كان شأنها وأيًّا كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، أن تنزل على قواعد الدستور ومبادئه وأن تلتزم حدوده وقيوده، فإن هى خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، وخضعت - متى انصبت المخالفة على قانون أو لائحة - للرقابة القضائية التى عهد بها الدستور إلى المحكمة الدستورية العليا بوصفها الهيئة القضائية العليا التى اختصها دون غيرها بالفصل فى دستورية القوانين واللوائح بغية الحفاظ على أحكام الدستور وصونها وحمايتها من الخروج عليها.
وحيث إن الدساتير المصرية المتعاقبة قد حرصت جميعها - منذ دستور سنة 1923 - على تقرير الحريات والحقوق العامة فى صلبها قصدًا من المشرع الدستورى أن يكون النص عليها فى الدستور قيدًا على المشرع العادى فيما يسنه من قواعد وأحكام وفى حدود ما أراده الدستور لكل منها، فإذا خرج المشرع فيما يقرره من تشريعات على هذا الضمان الدستورى، وعن الإطار الذى عينه الدستور له، بأن قيد حرية أو حقًّا أو أهدر أو انتقص من أيهما تحت ستار التنظيم الجائز دستوريًّا، وبالمخالفة للضوابط الحاكمة له، وقع عمله التشريعى فى حومة مخالفة أحكام الدستور.
وحيث إن المواثيق الدولية قد حفلت بالنص على حق الفرد فى تولى الوظائف، ومن ذلك المادة (7) من العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والثقافية الذى تمت الموافقة عليه وإعلانه بقرار الجمعية العامة للأمم المتحـــــــــــدة رقم 2200 فى 1/12/1966، والتى نصت على تســـــــــاوى جميـــــــــــع الموظفيــــــن فى فرص الترقية داخل جهـــــــــات عملهم، إلى الدرجـــــــــات الأعلى دون إخضــــــاع ذلك إلا لاعتبارات تتعلق بالكفاءة والجدارة لتولى تلك الوظائف، وهو ذات ما نص عليه الميثاق الإفريقى لحقوق الإنسان والشعوب والذى تمت إجازته من قبل مجلس الرؤساء الأفارقة بدورته العادية رقم (18) فى نيروبى (كينيا) يونيو 1981 فى المادة (13) منه.
وحيث إن الأصل أن يكون لكل وظيفة حقوقها وواجباتها، فلا تقابل مزاياها بغير مسئولياتها، ولا يكون وصفها وترتيبها منفصلاً عن متطلباتها التى تكفل للمرافق التى يديرها موظفوها حيويتها واطراد تقدمها، وقابلية تنظيماتها للتعديل وفق أسس علمية قوامها التخطيط المرن وحرية التقدير، فلا تتعثر أعمالها أو تفقد اتصالها ببعض أو تدرجها فيما بينها، وشرط ذلك إعداد موظفيها علميًّا وفنيًّا، فلا يلى شئونها غير القادرين حقًّا على تصريفهــــا، سواء أكـــــــان عملهم ذهنيًّا أم مهنيًّا أم يدويًّا .
وحيث إن ما تقدم مؤداه، أن لكل وظيفة تبعاتها، فلا يشغلها إلا من يستحقها على ضوء طبيعة الأعمال التى تدخل فيها، وغاياتها، والمهارة المطلوبة فيها، والخبرة اللازمة لها، ولا يجوز بالتالى أن يكون التعيين فى وظيفة بذاتها أو الترقية منها إلى ما يعلوها، عملاً آليًّا يفتقر إلى الأسس الموضوعية، أو منفصلاً عن عوامل الخبرة والجدارة التى يتم على ضوئها اختيار من يتولاها، ولا مجرد تطبيق جامد لمقاييس صماء لا تأخذ فى اعتبارها خصائص كل وظيفة ومكانتها، والحد الأدنى للتأهيل لها والتدريب على أداء واجباتها ومسئولياتها، وغير ذلك من مقوماتها الموضوعية المحددة تحديدًا دقيقًا، وعلى تقدير أن تقييم شاغل الوظيفة إنما يرتبط بأهميتها الحقيقية .
وحيث إن الأصل فى الأقدمية الوظيفية أن تكـــــــون معبرة عن مدة خدمة فعلية قضاها الموظف قائمًا بأعباء وظيفته، وهى بذلك لا تفترض، ولا يجوز حسابها على غير حقيقتها سواء بزيادتها أو إنقاصها، كما أن شروط الترقية إلى الوظائف، وبخاصة الوظائف الإشرافية أو القيادية يجب أن تعبر عن الانحياز إلى الأصلح والأكثر خبرة وعطاء، وهو ما يتطلب أن تكون المدة البينية أو الكلية اللازمة لشغل تلك الوظائف - بحسب الأصل - مدة فعلية وليست حكمية، حتى لا يُعهد بأعمال هذه الوظائف لغير من يؤدونها بحقها، فـــــلا يكونون عبئًا عليهـــــــــــا يُقيدها أو يُضعفها، بل يثرونها من خلال خبرة سابقة وجهد خلاق يتفاعل مع مسئولياتها.
وحيث إنه يتبين من الاطلاع على المذكرة الإيضاحية لقانون نظام العاملين المدنيين بالدولة أن أحكام هذا القانون تقوم على أسس موضوعية، وذلك عن طريق الاعتداد أولاً "بالوظيفة"، باعتبارها مجموعة من الواجبات والمسئوليات، يلزم للقيام بها توافر اشتراطات معينة فى شاغلها، تتفق مع نوعها وأهميتها، وتسمح بتحقيق الهدف من إيجادها، وأن هذا الاعتداد الموضوعى لا يتعارض مع الجانب الآخر للوظيفة، المتمثل فى "الموظف" الـــــــــذى يقــــــــــوم بأعبائها وما يتطلبه هــــــــذا الجانب "البشــــــــرى" لا الشخصى من الاعتداد بالخبرة النظرية أو المكتسبة اللازمة للقيام بأعباء الوظيفة، ومراعاة ذلك فى الأجـــــــــر الذى يحصـــــــــل عليه بوصفـــــه مقابلاً موضوعيًّا لا شخصيًّا، لما يناط به من مسئوليات .
وحيث إنه متى كان ما تقدم وكان المشرع بإقراره النص المحال قد انحاز إلى إعمال الأسس الموضوعية للوظيفة وذلك بالاعتداد بالوظيفة ومراعاة واجباتها ومسئولياتها، والتى يلزم للقيام بها توافر الاشتراطات اللازمة لشغلها ومن بينها مدة الخبرة الفعلية التى قضاها الموظف فى وظيفته السابقة قائمًا بأعبائها، وذلك ضمانًا لجدارته وكفاءته بتوليها، فينهض بها من خلال خبرته السابقة وجهده الخلاق الذى دأب عليه خلال الفترات المنقضية، وهو ما يتفق مع الأهداف التى رنا المشرع إلى تحقيقها بالنص المحال، الذى ترتكن أحكامه إلى أسس موضوعية تبررها، دون مصادمة فى ذلك لمبدأى المساواة وتكافؤ الفرص التى حرص الدستور على كفالتهما فى المواد (4، 9، 53) منه.
وحيث إن المشرع قد راعى فى تحديده للقواعد الحاكمة للإعارة والحقوق الناشئة عنها والالتزامات والواجبات المترتبة عليها، تحقيق التوازن بين حق الموظف فى الإعارة، الذى قرره له القانون، واعتبارات المصلحة العامة، بحسبان الوظائف العامة طبقًا لنص المادة (14) من الدستور تكليفًا للقائمين بها لخدمة الشعب، لذلك احتفظ المشرع للموظف المعار بكافة حقوقه فى الترقية والأقدمية فى حالة الإعارة للمدة التى قدر أنها لا تخل بمتطلبات الوظيفة العامة واستمرار أدائها لدورها الدستورى فى رعايـــــــــة مصالح الشعب، والتى حـــــــددها بسنوات أربع، فإذا استطالت مدة الإعارة متجاوزة هذا الحد باختيار الموظف المعار، فإن التنظيم الذى قرره المشرع بالنص المحال - فى حدود الإطار المار ذكره - لحق الموظف المعار لمدة تزيد على أربع سنوات فى الترقية وتحديد أقدميته عند عودته من الإعارة، محافظًا على ذلك الحق، ومراعيًا مقتضيات المصلحة العامة، وحاجة الجهة المعيرة لشغل الوظائف تمكينًا للقائمين عليها من القيام بأداء واجباتهم فى خدمة الشعب، يكون كافلاً تحقيق التوازن الذى أوجبته المادة (27) من الدستور، دون مناقضة للحـــــــــق فى الوظيفة العامـــــــــة الذى كفله الدستور بالمادة (14) منه، كما لا ينال من كرامة الموظف المعار على أى وجـــه من الوجوه، ولا يمثل مساسًا بحق الملكية الــــــــــذى حرص الدستور على كفالته بالمادتيـــــــن (33، 35)، ولا يعد خروجًا على مبدأ سيادة القانون الذى اعتبره الدستور فى المادة (94) منه أساسًا للحكم فى الدولة، ولا يتضمن كذلك انتقاصًا من عناصر أو محتوى أى من الحقوق المتقدمة على نحو ينال من جوهرها وأصلها، وهو ما حظره الدستور بنص المادة (92) منه.
وحيث إن النص المحال - فى حدود النطاق المتقدم - لا يخالف أى نص آخر فى الدستور، الأمر الذى يتعين معه القضاء برفض الدعوى.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة برفض الدعوى.
أمين السر رئيس المحكمة
مواد القانون التي يذكرها الحكم
- 47/1978 · المادة 58ليست في مكتبة الموقع بعد
هذه الصفحة لعرض الحكم، وليست استشارة قانونية. طابِق النص على مصدره قبل الاستناد إليه.
اسأل المساعد عن هذا النص
مشتركو فاهم قانون يسألون المساعد عن هذه المادة داخل قضاياهم، ويرون كل مرجع في الإجابة مفحوصاً مقابل نصه في المكتبة.